موتُ .. بائع سجائرٍ مُتجوّل
كان يُقبِّلُ وجهَ الفجرِ
يصافحُ أكفَّ الرَّصيفِ
يداعبُ بأناملهِ المُرتعشةِ
ورقَ الصفصافِ
وعناقيدَ العنبِ المتدليةِ من جدرانِ
البيوتِ الفارهةِ
يشمُّ عبقَ (الشناشيلِ) في المُدنِ الحائرةِ
وأريجَ سعفِ النخيلِ
ينفثُ دخانَ سيجارتهِ
في خرابِ الأزقةِ
يرمي عقبَ سيجارتهِ على الرَّصيفِ
يدعكهُ بنعالهِ المُتهرئ
يلعنُ أزمنةَ الفقرِ
وأزمنة القهرِ
حزامُ صندوقِ السجائرِ يحزُّ رقبتهِ
يمسحُ دمه الممزوج بعرقِ التَّجوّالِ
بخرقةٍ باليةٍ
كان يحتفظُ بها من أيامِ الحربِ
وأيامِ الحُبِِّ
يجوبُ دروبَ المدينةِ
بحثاً عن قوتِ يومهِ
.. تذكرَ كيف أن حرسَ الجامعةِ
اقتادوهُ لغرفةِ التحقيقِ
احتجزوهُ في زنزانةٍ معتمةٍ
نزعوا جلده !
ورموهُ على إسفلتِ الشارعِ
جثةً هامدةً
كان يحلم .. بلا حلمٍ !
لأنه، كان يعرف بأن الأحلام
تتعبُ ذاكرة الفقراءِ
ولا تستيقظُ على أصوات البلابلِ
.. أتعبهُ التجوال
مدَّدَ جسدهُ النحيل على الرَّصيفِ
اخترقتهُ ريحٌ هوجاءَ
آتيةٌ من قِدمِ البداوةِ .. والتصحرِ
لامسَ بيدهِ المرتعشةِ
جسده النحيل الذي اخترقته الشظايا
اختلسَ نظرة لرأسهِ
المرمي على إسفلت الشارعِ
وأشلاءه المتناثرةِ
على حدودِ الرَّصيفِ
ثم؛ انتشى بإِغماضتهِ الأخيرةْ
سعدي عبد الكريم/ العراق

