-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

كنانة عيسى: تأثير المجتمع في ثلاثية ملامح الشخصيات السردية في نص" حيرة" لـ صديقة صديق علي

 تأثير المجتمع في ثلاثية ملامح الشخصيات السردية

قراءة انطباعية للأستاذة كنانة عيسى في نص( حيرة) للأديبة صديقة صديق علي





النص:
حيرة
ألَا ترَيْن أن الحياةَ على هذا النحوِ الذي تهرقِينها فيه تافهةٌ؟ لِمَ لا تهتمِّي بفكرِكِ ..بالكتبِ مثلًا؟ أتعلمينَ أنّ اختيارِي لكَ في أحدِ جوانبِِهِ بُنيَ على أنّكَ ابنةُ الأستاذِ معتزّ؟! - الأستاذُ معتز !! أبي!! رحتُ أُقهقِهُ لشدَّةِ دهشتِي:
لم تكنْ خالتِي تبخلُ علينا بشيءٍ، ترسلُ لي ولأخَواتِي الثّيابَ، المكياجَ، العطورَ والأحذيةَ، وتخصُّ أبي دائمًا بحقيبةٍ لا يفتحُها أمامَنا وكانت أثقلَ الحقائبِ. يربِطُ خالَتِي بأبي صداقةٌ قديمةٌ يعتزانِ بها، وكانت هي من زوّجَتْهُ والدتِي، بعد أن تجاوزتْ خالتِي الأربعينَ، تُقرِّرُ أن تتزوجَ من مغتربٍ وتسافرُ معه. كنّا قد أصبحْنَا في ريعانِ الصِّبَا حينَ هبطتٰ علينا بشكلٍ مفاجئٍ . ممّا خلقَ عندنا أسئلةً كثيرةّ والأمرُ المحيِّرُ أكثرُ تلك الحقائبِ الثّقيلةِ التي منعتٔنَا من فتحِها وقتلتْ فينا أيَّ أملٍ بهديّةٍ ما كما عوّدتْنا. كانت هيئتُها المهملةُ تنمُّ عن حزنٍ شديدٍ، تنهُّداتُها المتحسِّرةُ توحِي بامتلاءِ أعماقِها بالأسَى . بقيتُ صامتةً رغمَ محاولاتِ والدتِي الضّاغطةِ كيْ تستخلصَ منها ولو معلومةً واحدةً عن سببِ مجيئِها المفاجئِ. بدخولِ أبي إلى البيتِ انفرجتْ أساريرُ خالتي وسمِعْنا صوتَها لأوّلِ مرَّةٍ منذُ قدومِها وهي تطلبُ منهُ أن يُدخلَ الحقائبَ إلى مكتبِهِ، كان مكتبُهُ ممنوعًا علينا نحنُ البناتُ، حتى أصبحتُ وأخَوَاتي ننسجُ القصصُ عن مغارةِ أبي، وكانت أمّي دؤوبةً على تنظيفِها كلَّ صباحٍ وقفلِ بابِها لحينَ عودتِهِ، وكُنّا نتأفَّفُ من صرامةِ أمّي وهي تصدرُ أوامرَها بألّا نُقلقَ راحتَهُ وهو يقرأُ أو يكتبُ:
أبوكم في مكتبِهِ.
تقولُها بهمسٍ حازمٍ نفهمُ منها أن ضحكاتِنا يجبُ ان نكتمَها صوتُ التّلفازِ يجبُ أن نخرسَهُ، ثرثراتُنا يجبُ أن نوئِدَها فقط أعينُنا هي المتحرّكةُ تلاحقُها وهي تُدْخِلُ له القهوةَ والشايَ العصائرَ والحلوياتِ وأحيانًا الطّعامَ.
يومَها أمّي ارتاحتْ من همِّ ّخالتي بإقناعِها بأخذِ حمامٍ ساخنٍ، وبتقديمِ ثيابٍ مريحةٍ لها، وإجبارِها على تناولِ الطّعامِ ثمّ أنزلتْها عن كاهلِها وسلّمتها لأبي . كان الحوارُ بينهُما همسًا لم نتمكَّنْ من سماعِهِ مع تأجُّجِ النّقاشِ باتَ صوتُهما مسموعًا فسارعتُ إلى الشّرفةِ حيثُ نافذةِ المكتبِ المنخفضةِ ورحتُ استرِّقُّ السّمعَ خالتي تشكو إهمال َ زوجِها وعدمَ تقديرِهِ لها، وكان أبي يؤكِّدُ لها أن كلَّ الرِّجالِ هكذا، ويكرِّرُ: كم أنتِ سيدةٌ صعبةُ المِرَاسِ ! لم يعدْ يشغلُني حالُ خالَتِي، كان فضُولِي يدفعُني إلى معرفةِ ما في الحقائبِ ..وهل لي حصّةٌ فيها ؟ كانا يهُمَّانِ بفتحِها حين لمحَاني أتلصَّصُ عليهما ,فلُذْتُ بالفرارِ إلى الدّاخلَ، لأجدَ أُمّي تُهوِّنُ الأمرَ على زوجِ خالتي الذي يحتلُّ وجهُهُ المحتقنُ غضبًا شاشةَ حاسوبِها، شعرتُ أنه سيخرجُ إلينا وهو يصرخُ:
أُختُكِ بدَّدَتْ المالَ بتوافِهِ الأمورِ، لا شغلَ لها سوى إفراغ ِ مكتباتِ المدينةِ من الكتبِ ثم دفعِ أجرةٍ باهظةٍ لشحنِها بالطّائرةِ.. أخْتُك تظنُّ إنها ستخلدُ كي تتمكنَ من قراءةِ كلّ كتبِ الأرضِ.. مللتُ من فلسفاتِها التّافهةِ وأنا أتناولُ طعامي من الوجباتِ الجاهزةِ... بعزلتِها المتواصلةِ لم تتركْ لنا أصدقاءَ..أقولُ لك أنا لم أعدْ أحتملُها ...
كبرتُ على كرهِ الكتبِ التي تعيدُ لي وجهَ خالتي الخائبِ وقد انفجرت بالبكاءِ إذ يصارحُها أبي بهدوءٍ قاسٍ :
أنت صديقةٌ رائعةٌ لكن زوجةٌ متعبةٌ ..أحمدُ الله أن أختك لا تشبهك .
صديقة علي
تأثير المجتمع في ثلاثية ملامح الشخصيات السردية/Kinana Eissa
الإبداع الحقيقي يكمن دائما في تفرد السرد لينقل رؤية موقوتة لشخوص واقعية جدًا، في خط زمني محدد هدفه إضاءة حدث ضمني سيمتد في تسلسل مؤقتٍ مجهول ، تنقل لنا فكرة معاناة المرأة النخبوية في مجتمع ذكوري، يمارس قهره السلطوي متعمدًا، تاركًا بصمة ثابتة، في جيل قادم رغم التحولات المتغيرة لمجتمع بفترض به أن يكون معاصرًا.
.
برعت الكاتبة في ابتكار ثنائيات متشابهة وضدية، هدفها خلق تفكير فلسفي متوازن عند المتلقي،
الأستاذ معتز والخالة
الأم وزوج الخالة
الساردة وشريكها
.
الأستاذ معتز
هو الشخصية المثقفة الواعية الاستثنائية الذي يقوم عالمه الخاص جدًا على حرملك داخلي متفان، من الإناث اللواتي يستهلكن في بناء رغباته وهو الذي يرفض نموذجه الأنثوي المقابل (صديقته الخالة) كامرأة متقبلة في علاقة زوجية متوازنة لا تخدم حاجات الرجل الخاصة ومفاهيمه.
الخالة المثقفة
الهاربة من واقع يرفضها، من ذكورة تستبد بها، من حلم ستعيشه على هامش من التنازلات، للاحتفاظ بأنوثة كاملة مقابل إنسانية ملغاة.
الأم
النموذج الأكثر ألفة وقبولًا ورضوخًا لسادية فجة،
متواطئة بصمتها وخدمتها المتواصلة بلا أية شخصية متفردة، نقلتها لبناتها العائمات بلا وجهة
زوج الخالة
الرجل الشرقي النمطي الذي لم يغيره تجواله وسفره، فبقيت أفكاره الذكورية الجامدة، في تصلب أشد وقعًا رافضًا لنموذج المرأة المختلفة عن السائد والمألوف.
الساردة
هي إفراز خفي لصراع الرجل والمرأة على الهوية الإنسانية، هي الخيار الأكثر أمانًا وسهولة في مجتمع أحكم قبضته على فكرة المرأة المختلفة، الخارجة عن السرب،فأطلقها في فضاء محدود لا تحلق فيه إلا نسوة مبتورات، حُكمن بسياسة القطيع.
الرجل المجهول
هو الشريك المفترض لساردتنا، هو النموذج المغاير للرجلين السابقين، هو الباحث عن المرأة المتميزة المثقفة والواعية، والمتفاجئ بابنة رجل مثقف متنور لا تشبهه، ورغم ذلك فقد امتلك حسًا تهكميًا، منحه حق محاكمة الأنثى وتقريعها لخيارها الخاص في الحياة.
الحيرة التي أرادتنا الكاتبة خوضها ،هي فلسفة انتقائية ،أين الصواب والخطأ في فكر جمعي ما زال يحاكم المرأة على خياراتها؟ وهل الخطأ في انجذاب المرأه للشريك الذي لا يوافقها فكريًا ضمن مؤسسة الزواج؟
فتحكم على نفسها بخيار إلغاء تفردها وكينونتها؟
نص مميز لكاتبة مبدعة لطالما نجحت في إطلاق فكرة محورية جدلية في سرد شيق ولغة رشيقة وفي خلق ملامح نفسية متناقضة تتشبث بالذاكرة للأبد.
دمتِ مبدعةً.
كنانة عيسى

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية