القصة * مذنبة *
للأديبة الجزائرية/ فايزة عبد السعيد
.........................
تنهره بصوت متوحش يخرج من بين أسنانها،
جبينها يتصبب غيظا، يداها تتقاطران
سوءة...
‐ ألم أحذرك؟
أخبرتك أنني سأفعلها يوما، لم تصدقني صح؟!
مرارا قلت:
لا تترك فراغا كي تملأه هي بيننا!
دائمامًا أستيقظ بالليل لأجد وسادتك
ابتعدت سنتمترا!
كل يوم أراها في أحلامك،
وأنا أسترق السمع!
ضبطت ابتسامتك متلبسة
مرات عدة على شفاهك وهي تتلعثم
محاولة إخفاء أثر قبلاتها المقرفة...
تطلق قهقهاتها المجلجلة.. تبعث بتلك القهقهات التي يعقبها صوت الوحش المتعطش الذي سكن روحها منذ آلاف السنين!
ترفع رأسها حينما تسمع: السجينة رقم «ما لا نهاية»
تطلق قهقهات
تردد: مذنبة...مذنبة...مذنبة.
فايزة عبد السعيد..٢١ مارس ٢٠٢٢
.......................
القراءة
من أسهل الرواة وصولًا لقلب ووجدان المتلقي هو ضمير المخاطب، وقد أحسنت ووفقت أيما توفيق كاتبتنا في الاتكاء عليه كأداة طيعة سلسة سهلة تخاطب به المتلقي ( القارئ الذي هو أنا وأنت )، فلا يجد أحدنا مناصًا من الانزلاق داخل سردية النص، منصتًا بكل حواسه لما يُقال له من حديث ( قدحا او مدحا)، ومتأهبًا للرد، ولم لا ؟ وهو المخاطب المعني به الحديث الموجه له دون سواه.
تنهره بصوت متوحش يخرج من بين أسنانها...الله على دقة التعبير، وكأني أواجه وحشًا يكشر عن أنيابه، أو جنديًا يهدر صوته عاليًا ناهرًا عدوه - حذره من عاقبة تلك المواجهة من قبل- ثم يشهر سلاحه ويطلق رصاصاته لتصيب كل أعضاء الجسد الماثل أمامه فاغرًا فاه، لا حول له ولاقوة..هكذا تتوالى الطلقات متتابعة في خط تصاعدي متدرج القوة إلى أن يصل القمة (ضبطت ابتسامتك متلبسة / محاولة إخفاء أثر قبلاتها المقرفة)، وأي قمة يتبعها سقوط ..هكذا نحت الكاتبة سلالم الهبوط قفزًا في قهقهات مجلجلة، لتفرد أمامنا عند السفح بساطًًا لا نهاية له، حيث تبدى في الأفق انعكاس قهرية أنثوية منذ الأزل وممتدة إلى اللحظة الآنية ( السجينة رقم مالانهاية/ الوحش المتعطش منذ آلاف السنين)..توصيف مباغت ودقيق جدًا يبين مظلومية الأنثى المنطوية قسرًا وقهرًا في عباءة ذكورية، إذ دائما الأنثى هى الملامة وهى المذنبة أبدًا، بينما الرجل مهما أخطأ، كل أخطائه وجرائمه يُلقى بها على أكتاف أنثى ( مذنبة..مذنبة ..مذنبة ) ثلاثا..للتوثيق والتأكيد والديمومة المتعاظمة ظلمًا لها جيلًا بعد جيل.
أنهت السجينة صرختها المدوية معلنة عن معاناتها، وجاء دوري ودورك كمخاطب ومتهم بالظلم والغبن والسطوة والهيمنة للدفاع عن أنفسنا، فهل لنا من دفوع؟ ..أم أخرستنا المواجهة فآثرنا الصمت؟..كما صمت المخاطب الحقيقي ( داخل المتن السردي ) قسرًا، بعد أن قتلته يدٌ ناعمة انتقامًا لكرامتها المهدرة، وثأرًا لأنوثتها الجريحة( أخبرتك إني سأفعلها يومًا، لم تصدقني..صح ؟)...الآن صدّق يا سيدتي المظلومة المنتقمة، الآن تيقن من جدية وعيدك، الآن أدرك ما عمى او تعامى عنه لآلاف سنين مضت، الآن عرف، ولكن بعد فوات الآوان، فقد سبق السيف العذل.
نص صيغ بمهارة وحنكة ودراية جيدة بمقومات القصة القصيرة جدًا، لكنها قلدتها ثوبًا فضفاضًا ينتمي في ظاهره للقصة القصيرة.
نص اتسم بالعفوية وتلقائية التلقي الذهني ومن ثم انسيابية السرد الأفقي المتدفق كشلالٍ هادر يعلوه هدوء مقنع يناهد سطحه المتماوج، فيسبقه تارة ويتبعه تارة أخرى.
نصٌ تبدت تقنيته السردية في تضافر صوتين للسارد، إذ استهل الكاتب/ة بالروي بضمير الغائب كمدخل، ثم أتبعه بضمير المخاطب ومن ثم أختتم نصه بضمير الغائب مرة أخرى، ونجم عن ذلك التضافر المحكم صناعته بث روح حية تتنفس عبق أحرف وكلمات ..كانت في بدايتها تأنيب وتبكيت علا رنين نبرته ( ألم أحذرك..ألم أقل لك..) ليهدأ مع الخاتمة إذ يأتي الصوت عميقًا كأنه الصدى ( مذنبة..مذنبة..مذنبة) عابرًا آلاف السنين محملًا بمقهورية الأنثى.
محمد البنا ...القاهرة في ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٢

