♡ قوارير بلا عطر ♡
في نهاية ذلك النفق الضيق المظلم حيث مكثت فترة لاأعرف مقدارها ، أحدهم يأمرني بالخروج واتباع مصدر الضوء، لم أكن أبصر ماحولي ، فلم يسبق لي أستعمال عيني من قبل، بذلت كل ما في وسعي للخروج، ضيق المكان يخنقني، وأنا أقترب رويدا رويدا من مصدر الضوء ،هاأنا أخيرا أتنفس وأتحرر، تلقفني كفين، عم الصمت أرجاء المكان فجأة، سكتت أصوات الصراخ التي كنت أسمعها وأنا في طريقي للخروج، مما أثار مخاوفي وجعلني أصرخ، لاأعرف كيف صرخت ولكنه صوت هائل محبوس داخلي وقد خرج، صاحت إحداهن بخوف، ياإلهي ماذا أرى؟ فغرت الحاضرات أفواههن، أمتدت أعناقهن، تزاحمن ليشاهدن هذا المخلوق الغريب، كنت عبارة عن رأس بشعر أسود فاحم طويل وليس هناك بقية للجسد، تحسستني القابلة ، الأعضاء كاملة ولكنها غير مرئية، لقد ولدت شفافة، هكذا كان قدري، لم تتمكن القابلة من تحديد الجنس فتارة تقول فتاة، وتارة تقول فتى فقد كانت الاعضاء التناسلية مخفية ،قربت جسدي وألصقتني بجسد تلك المرأة التي سمعتها تردد ماذا فعلت ياإلهي لتعاقبني هكذا عقاب!! ،سرعان ماأنتشر الخبر في القرية وكثر اللغط، نسجت الحكايات حولي، البعض قال أن أمي جنت ذنبا لايغتفر وعاقبها الله عليه، والبعض الأخر كان مقتنع إنني ابنة جني عشق والدتي وبذر فيها بذرته، أستلزم الأمر تسعة أيام طوال لتظهر أعضاء جسدي للعيان ،سقطت دموع والدتي غزيرة وهي تراني، إنها أنثى! كان أملي بذكر بعد خمس بنات، أتضحت الرؤيا لدي واصبحت أرى الأشخاص، تحلقت حولي خمس فتيات بضفائر طويلة، وعيون سوداء كبيرة، بينما أبتعدت أمي منطوية على نفسها في زاوية الغرفة البعيدة ،مر شهران هدأت الأمور وتوقفت الحكايات، تولتني يد أخرى بالرعاية دفعتني أمي إلى خالتي لتعتني بي بحجة ضيق الوقت وعملها في الحقل، أخذت القم أثداء النساء وأتنقل من بيت إلى بيت، تحملني خالتي لترضعني تلك الجارة أوتلك لتوقف صريخ جوعي ،هكذا كبرت بين رفض وقبول لما أنا عليه، أنجبت أمي ذكرا، ضاع أملي الأخير بكسب ودها وحنانها، وجهت كل إهتمامها لهذا الملاك الصغير، هدية السماء لها، أصبحت صبية أضج بقوة الفتيان وأتمتع برقة الفتيات وجمالهن ،حتى جاء ذلك اليوم الذي سمعت فيه الكاهن يبوح لأبي بسر خطير، سيفيض النهر عما قريب ولابد من التضحية بفتاة، وكل المواصفات المنشودة تنطبق على إبنتك، ستزف عروسا للنهر بعد أسبوع فكن مستعدا ،باركني الجميع، وابتدأت الأستعدادات للإحتفال، كنت أنظر إليها أتوسلها، وهي قابعة تبكي في زاوية الغرفة، صرخت من أعماقي تكلمي ياامرأة، أنا أحتاجك اليوم، قفي معي، أرفضي التضحية بي، أرفعي صوتك، ولكنها لم تتحرك ولم تعترض، حل اليوم الموعود، ألبسوني كفن زفاف أبيض ناصع، فتحوا ضفائري السوداء الطويلة، لونوا وجهي بالأصباغ، قادوني إلى حافة النهر، كانت تقف جوقة موسيقية تعزف ألحانا صاخبة، نثر الناس علي الزهور، ومسحوا قدمي تبركا، وزع أخرون الحلوى، بإنتظاري مركب مزين بالورود، أركبني الكاهن ووقف بجانبي يردد التراتيل المقدسة ويحرق البخور، علت المياه من حولنا، أخذت تضرب المركب بشدة، أوقفني الكاهن على حافة المركب ثم رماني وسط النهر الهائج، بدا جسدي الذي لم يحاول المقاومة مستسلما لقدره ، أحتضنني وحش النهر التواق إلى عروسه بيديه الضخمتين ، واصل النزول إلى أسفل حيث تقبع قلعته الضخمة ، كثير من الفتيات الصغيرات بأثوابهن البيضاء الملطخة ببقع الدم تحلقن حولنا أحطن بي عانقني ، شكلن دائرة حولي ، تعالت أصواتهن بالغناء وأكتست وجوههن بالحزن أعيدوا لي دميتي يامن سرقتم طفولتي مامعنى وجودي في الحياة بعتوني بأبخس ثمن روح أهيم بلا وطن لامعنى لهذه الحياة أيام طفولتي الغابرة لحظات فرح عابرة ماأقصر هذه الحياة أمنحوني جناحا لكي أطير أسافر في الكون الكبير لاتسلبوا مني الحياة. أزاحهن الوحش بقسوة سحبني إلى غرفة مظلمة، لطخني بقاذوراته ،ختم على جبيني بختم ملكيته ثم ألقى بي بعيدا عنه وخرج منتشيا مزهوا،سارعت الفتيات نحوي، أنضممت إليهن صرت واحدة منهن، أطوف معهن النهر وأغني.
****
ليلى أحمد / العراق

