رؤيا الشهادة
استلقى في فراشه وحاول أن يستسلم للنوم، بعد عناء يوم طويل في عمله الذي يمارسه كمراسل صحفي في إحدى قنوات التلفزة الفضائية، فهو لابد أن يأخذ قسطا من الراحة، لأنه سيرحل غدا إلى العراق لتغطية عملية الانتخابات، كونها اول عملية انتخابية ديمقراطية، وبينما هو مستلق، لم يلامس الوسن عينيه، وكان بين اليقظة والنوم.
إذ رأى نفسه يمر أمام سور عالٍ يتوسطه رأس جميل لفارس موضوع على احدى الآت الحرب القديمة، كانت عينا الفارس تشعان إباءً وحنانا، وفي محياه سيماء الأنبياء ،ظل مأخوذا بهذا الرأس الجميل، ينظر اليه وهو يمر أمام السور، ولما مرّ من تحت الرأس تماما أحس بضربة قوية سددت اليه، وقال في نفسه الآن استشهدت.
أنتبه ورجع إليه وعيه، فظل يسأل نفسه بذهول عن هذا الذي رآه؟
هل كان حقيقة أم حلما، لم يعهد نفسه يوما تلج عالم الأحلام. ما معنى هذا.
من هذا الفارس الذي رآه واخذ بمجامع قلبه.
ظلت الهواجس تطارده.، وظل يسأل نفسه هل هذا من اسقاطات المخاوف التي تراوده جراء سفره إلى العراق؟
لكن بغداد ابدلت لون الدم بالإصبع البنفسجي وهذا يدل على أن شمس السلام لابد أن تشرق مهما كان الليل ملبدا بدخان الحروب.
نهض في الصباح، وكانت عينا زوجته تلاحقانه، إذ طالما حاولت أن تثنيه عن عزمه حتى لو كلف ذلك تركه لعمله، لكنه لم يستجب لالحاحها،لأنه ليس من السهل إيجاد فرصة عمل أخرى، وهو يعشق عمله، ويعده مهنة مقدسة، وفوق هذا وذاك يعشق المغامرة، وكان آخر الوداع نظرة تحدٍ تسوقه الى قدر جديد، وصل الى بغداد وكان ذلك في شهر المحرم، إذ رأى بغداد تتشح بالسواد، وظن أن ظلال الحرب ما زالت مخيمة، وأنها حزينة على ابنائها الذين استشهدوا، وبينما السيارة التابعة لشبكة التلفزة الفضائية التي يعمل فيها تسير بهم في شوارع بغداد. التقت عيناه بعيني الفارس الذي رآه في منامه ورأسه الشامخ يطل من خلال الصورة المرسومة والمتعلقة في كل ركن من شوارع بغداد. تاق شوقا الى معرفة هذا الرمز الذي تحتضنه بغداد بين حناياها، خصوصا أن قسماته النورانية لا تدل على أنه واحد من زعماء اليوم، فكانت كل صورة تحمل شعارا يوضح قضيته التي جعلت منه رمزا خالدا على مر الأيام، فإحدى هذه الصور مكتوب عليها..إني لم أخرج أشرا ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً انما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أريد أن امر بالمعروف وأنهى عن المنكر .. والآخر..حسين مني و أنا من حسين أحب الله من أحب حسينا..والأخرى يوم عاشوراء أقرح قلوبنا. استوقفه هذا هذا الشعار، إذ أنه لم يكن يعرف أن يوم عاشوراء يحمل كل هذا الحزن والأسى، إذ جعل بغداد تتشح بالسواد لأجله، إنه يوم عيد في وطنه. يتهادى فيه الناس الحلوى. أراد أن يعرف اكثر عن تفاصيل ما جرى لسبط رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، في هذا اليوم أخذ إجازة من عمله وراح يسير في أزقة وشوارع بغداد. رأى موكبا يقدم الطعام والشراب، وفي إحدى الجوانب يجلس رجل دين يقرأ الفاجعة بأسى وحزن، لم تكن اللهجة مفهومة لديه، إذ لم يتأثر كثيرا بما كان يقوله، ولما أنهى مراسيم العزاء حدثه عن مكنون نفسه التي تتوق إلى معرفة حقيقة ما جرى على سبط رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.حدثه رجل الدين عن مصائب وأحزان كربلاء، وأسباب نهضة الإمام الحسين..عليه السلام.. وللتعرف أكثر أهداه كتابا عن فاجعة الطف الأليمة. بكى بحرقة وتراءت له مشاهد الطف وراح يعيشها في وجدانه مشهدا بعد آخر. تراءت له الطفلة رقية وهي تحنو على رأس ابيها الشهيد بجسدها الصغير.
تذكر طفلته التي تنعم في بيت امن مع ذلك يحس بألم فراقها. شهق شهقة وصاح يا حسين. ألف المجيء إلى هذا الموكب بعد أن ينهي عمله كل يوم، وفي أحد الأيام كان موعده مع القدر أن يلتحق بركب الشهداء الذين قضوا على طريق الحسين عليه السلام، إذ امتدت يد التكفير لتنقذ عملياتها الإجرامية في هذا الموكب الآمن.
شذى البراك
