أنفاس تزفر الوجع
أ . فلاح العيساوي - العراق
تشتبك روحي مع الدروب على اختلاف أشكالها، وتنظر إلى البعيد بعين شاهين يرصد الزوايا الحادة، هكذا أنا... أكون أو لا أكون، قبل ساعة وصلت إلى عشي ورحت أنظر نحو أماكن تواجد الجرذان، لعلي أجد في مرمى نظري هدف ارديه إلى الهاوية، ألقمت سلاحي وقنصت فريستي والفرحة ملأت كياني، ثم نظرت إلى رفاقي، كانوا يحتمون من تطاير الرصاص وبعض قذائف الهاون، لم أتوقع اشتداد الرمي حتى تطايرت الصواريخ فوق مواقعنا، ساءت الأمور كثيرا شاهدت من بعيد سقوط قذيفة بالقرب من رفاقي؛ ركضت نحوهم، كانوا ثلاثة أصيبوا بجروح خطيرة، حملت واحداً منهم وأسرعت به إلى الشارع حيث قطاعاتنا العسكرية، وقفلت مسرعاً لإنقاذ جريح آخر.
كان همي إسعاف أخوتي الجرحى، تفاجئت بداعشي خرج من البزل، يحمل بين يديه سلاح "بيكيسي" وجهه نحوي وأطلق الرصاص.
سقطت أرضا وظننت أنها الشهادة، الرصاصات التي اخترقت جسمي؛ كانت حارة، أحسست بها وهي تستقر في مناطق متفرقة، الأولى في بطني والثانية في منطقة الحوض والثالثة في كاحل قدمي اليسرى.
الألم وحرقة الدماء الدافقة فوق جلدي؛ جعلتني أرفس الأرض بقوة، مرت فترة لا أعرف كيف سكنت أطرافي! ربما اقتراب العدو مني جعلني أهدأ، لكنني حضنت رمانتي اليدوية وقررت ان افجرها بنفسي والجرذان؛ إذا أحاطت بي.
تجمدت دمائي وكتمت أنفاسي؛ حيث أراهم أخذوا يمشطون المكان، كان أحدهم يقترب مني على بعد خطوات.
جاء الصوت من بعيد:
- أبو أسحاق تعال بسرعة.
أسرع يبتعد عني، بدأت أتنفس بحرية، والسؤال يضج في رأسي: هل القدر قرر ان أعيش! أم هو دعاء أمي وأبي.
أخذ ضوء الشمس يتلاشى بحلول الغسق، الإصرار حثني على التحرك، حاولت الوقوف على قدميّ فلم استطيع وأشتد بي الوجع، كأن الرصاصة فصلت مفصل الكاحل عن مفصل الساق.
وضعت ساقي اليسرى فوق ساقي الأيمن وبدأت ازحف نحو النجاة، وصورة أمي وأبي لا تفارقني وقد أخذتني إلى يوم سماعي بفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله.
ذلك اليوم لن انساه طيلة حياتي، كانت دموع أمي تهطل بغزارة، وعناقها يرفض افلاتي، صحيح أن الاوطان أغلى من الأرواح؛ لكن الأمهات لا تتحمل فراق الأبناء، لذا صرت أخفي عليها موعد سفري إلى جبهات القتال، وعندما أصل إلى وحدتي أتصل بأبي وأخبره بسفري.
أتذكر في معسكرات التدريب كيف رفضوا تثبيتي في وحدة القنص؛ كوني لم أكمل سن العشرين، كنت مولع بالقنص وسلاح القنص، لدي مؤهلات تجعلني قناص محترف، ثقتي الكبيرة بنفسي أقنعت القادة العسكريين وتم ما أريد، خلال فترة قصيرة حققت نجاحاً كبيراً في التدريب وبعدها انطلقت نحو تحرير بلدي، أتذكر المعارك التي خضتها في جرف الصخر، وبلد وسامراء وخانقين وصولاً إلى جبال حمرين وبعدها جبال مكحول، أثبت أنني قناص ماهر، حيث أصبت أهدافا كثيرة.
بعد مسافة قطعتها أخذني التعب؛ توقفت لأستريح والليل قد أرخى سدوله، والنجوم تلألأت في كبد الظلمة، كانت الليلة هندس؛ هرب منها القمر الأبيض، وأرواح صحبي صعدت إلى السماء زرافات، ترفرف بالسعادة في أناشيد الوداع الملائكية، وأنا وحدي ما أزال أجود بنفسي وانفاسي تزفر آهات الوجع الحارة فوق تراب جبال مكحول حيث العطش والجوع وتقلصات بطني من الزحف، والوسن الذي لا يقاوم فغفوت.
لا أعرف كم من الوقت نمت، لم يكن الموبايل معي، اغلقته وتركته في العجلة الخاصة بالقناصين، صرت احث نفسي مرة أخرى على الزحف، لا سبيل أمامي إلا النجاة أو الموت بشرف، فلن أدع نفسي فريسة بين أيدي وحوش داعش.
الهواجس تدور في رأسي كأنها كرة تقذف بين أقدام اللاعبين، أنا والأرض تحتي والسماء فوقي والظلام يحيطنا، ناجيت ربي بدموعي الحارة، بعدها لاحظت أن ظلمة السماء بدأت تنكشف أمامي؛ عرفت أنني اخطو نحو شروق الشمس، فحثثت نفسي والأماني تفتح لي الطرقات المغلقة، حيث بدأت أرى وجهتي وطلوع حمرة الأفق، عرفت أنه الفجر ولعله يكون فجر عمر جديد يكتب لي... أصوات من بعيد صارت ترد على مسامعي لم اميزها في البداية؛ فحضّرت نفسي للشهادة.
كلما اقتربت من مصدر الصوت بدأ يتضح لي أكثر؛ (يا زهراء) (لبيك يا حسين)... أنها هتافات أخوتي أبطال الحشد الشعبي والجيش العراقي.
زحفت نحوهم بقوة، اقتربت منهم أخيراً، أطلقوا الرصاص بالقرب مني، كانوا يحاولون التأكد من شخصي، أحدهم عرفني فصاح:
- لا تطلقوا النار، هذا أخونا سيد مسلم القناص.
الفرحة هونت عليّ جراحي، أحاطوا بي من كل جانب، اسعفوني إلى ديالى، كانت جراحي خطيرة فتم نقلي إلى إيران وهناك أجريت لي أكثر من عملية جراحية.
- سيد مسلم القناص، أصغر قناص في الحشد الشعبي، أطرح عليك سؤال أخر في لقائي الشيق معك، متى عرفوا أهلك بخبر إصابتك في المعركة؟
- في ديالى اتصلوا رفاقي بأهلي وأخبروهم بإصابتي ونجاتي وابلغوهم بالسفر إلى إيران لإجراء عملية جراحية.
- ومتى أتصلت بهم؟
- بعد ثلاثة أيام من إجراء العملية أتصلت بأمي وأحسست بها وهي تكلمني أن الحياة عادت إليها.
- بعد إصابتك والإعاقة وكل الأحداث أطرح عليك سؤالاً أخيراً، ماذا يتمنى سيد مسلم؟
- أتمنى العودة إلى جبهات القتال وتطهير أرضنا من جرذان داعش.

