-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

أربع عيون ...صقر المحمود / سوريا

 أسبوع الكاتب السوري. صقر المحمود

النص الأول
أربع عيون .
_ أنتَ إذا من البادية؟
قالتها، كمن تصعق لرؤية معطف فرو، أعجبها خلف زجاج متجر للألبسة، ووزعتها على صديقتيها، الواقفتين معنا.
كان مساء شاعريا، عندما شدتني لوحة لقافلة من الجمال
ولأني أطلت المكوث أمام الصورة، فقد تركت الحاضرين و خصتني بحديثها:
_ أحب البادية، ورحلات الصيد، و التخييم . . .
ابتسمت لاندفاعها وقلت لنفسي:
_ يبدو أنها أخيرا، وجدت بغيتها، شخصا تستطلع منه عالما لم تره إلا في التلفاز
ولكي لا تذهب بعيدا في آمالها، ثم تعود خائبة، أجبتها:
_ لكنني أمقت الصيد.
تراجعتْ قليلا إلى الوراء، ثم جذبت صديقتيها، وانصرفن.
. . . . . . . . . . . . . . . .
قبل أربعين عاما، اصطحبني أخي الأكبر معه إلى الصيد، كنت حينها فتى صغيرا، أكاد أطير فرحا ببندقيتي الجديدة.
استيقظت قبل الجميع، وجعلت أقلده في كل حركاته
ونسيم فجر نيسان، يحاكي زهوي بأول مغامرة.
وككل رحلات الصيد، يحضر بعض الرجال بلا دعوة.
_ اصعد مع عمك عبيد.
قالها أخي.
كان عبيد عملاقا يضرب به المثل في القسوة، والمهارة في الصيد، كما يضرب المثل بسيارته (البيك آب ) في القدم، و البشاعة.
و كنا أنا و أقراني، نراه مثلنا الأعلى، نحلم أن تروى القصص عن غرائب مغامراتنا عندما نكبر، كما تروى عنه.
ركبت بجانبه، فأدار مفتاح التشغيل، وقبل أن يعمل المحرك انطلق يغني . . . . . .
في تلك الأيام، كانت قطعان الغزلان تغطي جبل عبد العزيز بالآلاف، وكانت أشجار البطم تكسوه . . .
افترقت السيارات، ومضت كل مجموعة إلى مكانها المفضل للصيد.
كنت أضم بندقيتي إلى صدري، وبين حين و آخر أمسحها بثوبي.
_ لا تبالغ بتدليلها . . . البندقية كالولد يفسده الدلال .
أخذت نصيحته على محمل الجد، وعاد إلى غنائه، وعدت أحاول حفظ القصائد التي يغنيها.
فجأة فرمل السيارة، فتح الباب، وقفز منها، وقلدته من فوري.
كانت غزالة ترعى مع خشف لها قرب السفح.
لا أدري كيف غفلتْ عنا لنباغتها هكذا .
دفعتها غريزتها لتصعد الجبل، و تختفي بين أشجار البطم ، لكن الخشف كان صغيرا غرا، ركض أمامنا كطفل يريد أن نلاعبه .
أخفضت بندقيتي، ومضيت أراقب بحزن ما سيحدث.
مدت الأم رأسها بعدما تأخر عنها صغيرها، ثم خرجت لتراقب مثلي.
لم تكن تستجدينا.
فقط كانت تنتظر أن يضغط على الزناد، ليخرج صوت الرصاصة مدويا، ورأيت الخشف يسقط، وسمعت عبيد يهتف بفرح.
لكن الأم لم تنصرف، ظلت واقفة بجانب الأشجار، فاستدار إليها، وسدد بندقيته نحوها .
لم تتحرك، ظننتها ذاهلة عنا بصغيرها.
كان صوت الرصاصة هذه المرة أقوى، وتبعه صدى لا أزال أسمعه.
ركض إلى الأم، وحملها بيد واحدة، وهبط الجبل، ثم ألقى بها في صندوق السيارة الخلفي ككيس طحين، وكذلك فعل مع الخشف.
_ اصعد . .
_ سأركب في الخلف.
بيدي المرتخية وضعت بندقيتي، فخرج صوت ملامستها لمعدن الصندوق كريها، وجلست بعيدا عنها .
أسندت ظهري إلى القمرة، وضممت ركبتي إلى صدري
وأخفيت رأسي خلفهما .
كنت أقاسم أما، وصغيرها الصندوق، قبل قليل كانت تحنو عليه، وتعلمه كيف يتجنب الصيادين .
ووسوست لي نفسي أن أنظر إليهما، لكنني غالبتها.
أخذت أجول ببصري في تلك البادية بين كثبان الرمال . . . . .
عادت رغبة النظر إليهما أقوى من سابقتها، فدفنت رأسي رافضا الرضوخ .
و في عزلتي تلك، قررت أن استرق نظرة سريعة، لمحة.
فرفعت وجهي بخوف و رهبة، لتباغتني أربع عيون بمنتهى الصفاء دمعت قبل قليل.
حبوت حتى بلغت البندقية، و بكل قوتي قذفتها من السيارة
. . . . . . . . . . . . . . . .
كان الغروب قد حل عندما اجتمعت السيارات مرة أخرى، و لما رآني أخي، خالي الوفاض، سخر مني :
_ لم تجلس في الخلف؟
لم أجب .
_ افعل ما يحلو لك . . .
و انشغل مع رفاقه بعدّ الطرائد .
عندما اقتربنا من البيت، خرج أبي مسرعا ليرى كيف أبلى صغيره في أول اختبار. . . . . .
هبطت بكل ضعف، و انا أغالب دموعي، و لأهرب من البكاء ركضت نحوه، و ألقيت نفسي بين ذراعيه .
ضمني بقوة، و رفعني عن الأرض ليهمس في أذني:
_ ألم أقل لك: لا تنظر في عيونها ؟ —



قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية