خاطرة
أ. لطفي منصور
أ.د. لطفي منصور
خاطِرَةٌ:
قَضِيَّةُ أوروبا الْعَجوز
نِطاحُ الْكِباشِ :
التّاريخُ يُعيدُ نَفْسَهَ وَيَنْقَلِبُ رَأْسًا عَلَى عَقِبْ. ما استَهَلَّ الْمُنْتَصَفُ الثّاني مِنَ الْقَرْنُ الثّامِنَ عَشَرَ الْميلاديِّ، حَتَّى بَدَأَ الْوَهَنُ يَدِبُّ في عُروقِ الْإمْبَراطُورِيَّةِ الْعُثْمانِيَّةِ، فَأَسْرَعَتْ دُوَلُ الْغَرْبِ بِشَحْذِ سَكاكينِها لِلْإجْهازِ عَلَى الرَّجُلِ الْمَريضِ ، حِينَ تَكُونُ الْفُرْصَةُ مُناسِبَةً.
ها هِيَ أوروبا لَمْ تَكفِها حَرْبان عالَمِيَّتان أَحْدَثَتْ تَدْميرًا هائِلًا في مُعْظَمِها، فَكَأَنَّها اشْتاقَت لِهَديرِ الْمَدافِعِ والدَّبّاباتِ وَزادَتْها بِالطّائِراتِ الْفَتّاكَةِ، والصَّواريخِ الْعابِرَةِ لِلْقارّات، وَسُفُنِ الفضاءِ، واللهُ أَعْلَمُ ماذا سَيَكونُ، فَطُبولُ الٍحَرْبِ تُقْرَعُ، وَالزُّعَماءُ الْكِبارُ يُشَمِّرُون عن سَواعِدِهِم وَيَتَنَمَّرُونَ وَيَكْشِفونَ عَنْ أَنْيابِهِم، وَقَدِ احْمَرََتِ العُيُونُ وَأُشْهِرَتِ السُّيوفُ.
السَّبَبُ في الضَّعْفِ الْأَوروبِّيِّ الْبائِنِ هُوَ خُلُوُّ الْقارَّةِ الْعَجُوزِ مِنْ زُعَماءَ حَقيقِيِّينَ، لَهُمْ هَيْبَتُهُمْ وَوَقارُهُمْ، وَتُسْمَعُ كَلِمَتُهُم، وأعْنِي بِالذّاتِ رَئيسَيْ بِريطانيا وَفَرَنسا أَقْوى دَوْلَتيْنِ في أوروبا، لم تَعُدْ لَهُما الْمَكانَةُ الْعُظْمَى السّابِقَةُ الَّتي دَوَّنَها التّاريخُ. فَقَدْ شاخَتا وَهَرِمَتا.
ذَلِكَ بعدَ ارْتِباطِهِما بِذَنَبِ أميرِكا استراتيجِيًّا واقتصادِيًّا. والدَّهْرُ يُغَيِّرُ أَحوالَهُ، لِأنَّ لِهذا الحامي بَرَزَ خَصْمانِ فَتِيّان قَوِيّانِ هُما الصٍّينُ اقتِصادِيًّا وَعَسْكَرِيًّا، وَروسيا الاتِّحادِيَّةُ عَسْكَرِيًّا واقتِصادِيًّا.
مُشْكِلَةُ أميرِكا الْيَوْمَ الصِّينُ ولَيْسَتْ أوروبا التي هِيَ بِالْجَيْبِ الْأَميرِكي. وَلا حَوْلَ لَها وَلا قُوَّةَ. وَسَوْفَ تُحَقِّقُ روسيا بَرْنامَجَها كُلَّهُ، وَلَنْ تَجْرُؤ أيَُ دَوْلَةٍ أوروبيَّةٍ عَلَى امتشاقِ السَّيْفِ في وَجْهِ الْجَيْشِ الرُّوسِيِّ، ولا يزيدُ دَوْرُهم في هَذِهِ الْحْرْبِ إِنْ نَشِبَتْ عَنْ مَدِّ أُوكْرانْيا بِالسِّلاحِ ، ثُمَّ يَقولونَ لَها كَما قالَ بَنو إسْرائيلَ لِموسَى: "اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا
إنا ها هُنا قاعِدون".
لَن تَكونَ حَرْبٌ أكْثَرَ مِمّا وَقَعَ، فقد كانَتْ أُوكْرانيا جُزْأً من روسيا، تربطُهُما عَلاقَةُ الْأُخُوَّةِ والصَّداقَةِ والتّاريخِ الْمُشْتَرَكِ وَحَتَّى اللُّغَةِ.
كَيْفَ يُناطِحُ زُعَماءُ أوْروبا بِقُرونٍ واهِيَةٍ الدُّبَّ الرُّوسِيَّ، الُّذي لا يَعْمَلُ السَّيْفُ في جِلْدِهِ.
الرُّوسُ إذا قالُوا فَعَلُوا، لَيْسوا كَالْعَرَبِ إذا قالُوا لا يَفْعَلُونَ. "كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولوا ما لا تَفْعَلُونَ". الْأَفْضُلُ لِلْعَرَبِ أَنْ لا يَقُولوا. الْعالَمُ عَلَى فُوَّهَةِ بُرْكانٍ، لا أَحَدٌ يُرِيدُ الْحَرْبَ إلّا إذا فُرِضَتْ. وَكَثيرٌ مِنَ الدُّوَلِ عَبَّرَتْ عَنْ رَأْيِها في هَذِهِ الْأَحْداثِ الْخَطيرَةِ إلّا الْحُكّامَ الْعَرَبَ، فَقَدْ أَفْزَعَهُمْ ما يَحْدُثُ فَخَرِسُوا، هَلْ يُسْمَعُ لَهُمْ صُراخٌ أوْ رَسِيسٌ. عَلَّمَنا الرَّسولُ الْكَريم "الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ". حتّى هَذِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، "كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ" لا يَشْعُرُ بِوُجودِهِمْ أَحَدٌ.
يا لَفَضِيحَتِهِمْ! قالُوا عَنْ سَدِّ النَّهْضَةِ فَماذا فَعَلُوا؟
تُذَكِّرُني هَذِهِ الْأحْداثِ بِقَصِيدَة "أخِي" مِنَ الشِّعْرِ الْمَهْمُوس ليميخائيل نُعَيْمَةَ: وَمَطلعُها:
أَخي إنْ ضَجَّ بَعْدَ الْحَرْ
بِ غَرْبِيٌّ بِأَعْمالِهْ
وَعَظَّمَ ذِكْرَ مَنْ ماتُوا
وَعَظَّمَ بَطْشَ أَبْطالِهْ
فَلا تَهْزَجْ لِمَنْ سادُوا
وَلا تَشْمَتْ بِمَنْ دانا
