من كتاب دهشة الوجيز
قراءة في ثلاثية موزاييك للقاص صرصار أحمد من الجزائر.
الأديب - محمد الميالي - العراق
رغم صعوبة هذا اللون من السرد الذي ينتمي إلى جنس القصة القصيرة جدا، والذي يعد التوأم الذي ولد منها، ومن المؤكد أن المخاض يقع عسيرا جدا، إلا أن دائرة انتشاره باتت في توسع هنا وهناك ما بين أدبائنا العرب، لهذا اللون طعم خاص ومذاق خاص.
سنقف اليوم أمام ثلاث لوحات تحمل ذات الجينات؛ لكونها ولدت من رحم واحد، وتغذت من مشيمة واحدة.
في ثلاثية موزاييك.
النص:
ثلاثية (موزاييك)
وجاهة.
أحاط بنا الموج من كلّ جانب، حملق كبيرنا، نطق بالشهادتين، ضحك القائد مدركا
حبل الوصال ...
سبابتك اليمنى يا فرعون، أثبت .!
ما زلنا في بداية الشوط.!
هلاّ رجح عقلك؟!
استشراف
شيّد قصورا من بقايا أمانيه على شواطئها، يناجي بزوغ فجره، كلّما ضرب المدّ جدرانها هامت به الذكرى.. أتمّ بقيّة النوافل يستجدي مسعفي التيتانيك.!.
بروتوكول.
بعد اتفاقنا على صياغة بنودها، اشترط صغيرنا كتابتها بماء الرجاء، تراجعت أسواقنا أمام ظهور القرش الأزرق في قاع فناجيننا.!
موزاييك ـ عنوان عام يحمل كثيرا من التأويلات، ولكن سأركن إلى أحدها وهو الأكثر رجاحة، وفيه إشارة واضحة إلى الصنمية التي مازلنا نحج إليها وهي حجر رغم بريقها ولونها الفسيفسائي، وهذا تلميح إلى الأشخاص الذين نتخذهم قادة، بل نتخذهم أربابا.
وكما جاء به النص الأول ـ وجاهة ـ ذلك الضياع والغرق في موج الفتن، وانجراف كل فصيل منا خلف فرعونه، دون الالتفات إلى الحقيقة التي برهنتها المعجزة، حتى أدركنا الهلاك ومازلنا نطلب من أربابنا النجدة، رغم رفع كل منهم سبابته موحدا، ولكن في وقت متأخر جدا، دون أن يعترف لنا.
وفي نص ـ استشراف ـ نبقى نمسك بنفس الحبل السري، لنصل إلى حقيقة أخرى، أي الغرق ذاته، والتمسك بذات العقائد التي تفضي بنا إلى أمانٍ وهمية بعيدة عن سمة التوحيد والعبودية الحقة، والتمسك بالقشرة، نبني قصورا من وهم لا قيمة لها، نرفض الركون إلى اليابسة وبر الأمان، وبقينا نتأمل الماضي السحيق يسعفنا، ومن من؟
من مسعفي ـ التيتانيك ـ وهي السفينة التي غرقت في المحيط الأطلسي في أول رحلة لها، والتي تعد أضخم باخرة لنقل الركاب، كان على متنها 2,223 راكبا، نجا منهم 706 أشخاص فيما لقي 1,517 حتفهم والسبب عدم تجهيزها بقوارب نجاة كافية، وذلك عام 1912.
توصيف متقن لحالنا من قبل القاص، حين استعمل عبارة (أتمّ بقيّة النوافل يستجدي مسعفي التيتانيك.!)
وهذه إشارة لتمسكنا وتعلقنا بالماضي السحيق، ولم ننظر إلى المستقبل كما الأمم.
وفي نص ـ بروتوكول ـ يختم القاص رحلته البحرية مع واقعنا ويكشف السر الذي سبب في كساد تجارتنا، وأي تجارة هذه وأي سوق هذا الذي يعتمد التنجيم في صياغة حياته ونظم علاقته مع الآخرين.
(تراجعت أسواقنا أمام ظهور القرش الأزرق في قاع فناجيننا.!) نعم هو الخوف الذي يرافقنا بسبب الخرافة، قرش يلتهمنا في الواقع وفي الخيال.
يا لها من التفاتة ذكية وصياغة متقنة، ورسم صريح للواقع العربي والإسلامي.
الخلاصة:
العنوان الرئيس/ اشتركت معانيه في النصوص الثلاثة بشكل مبرمج.
العناوين الفرعية/ كل منها سلك طريقه إلى مفاصل النص.
التكثيف/ النصوص الثلاثة مكثفة بشكل يفي بالغرض المطلوب.
علامات الترقيم/ جاءت في مواضعها رغم قلتها.
الشاعرية/ اتسمت النصوص بالبلاغة والشاعرية التي منحتها صفتها المستحقة.
المجاز/ استخدم القاص استعارات بليغة حقا مع مفاتيحها التي منحتنا فرصة لتفكيك النص.
الرباط/ وهو المهم في الثلاثية، أي يجب أن يكون هناك رابط يربط النصوص الثلاثة في ثيمة واحدة، وقد ارتبطت النصوص هنا في (المكان ـ الحدث ـ الرسالة ـ الهدف ـ النتيجة).
نعم كنا في رحلة بحث قدمت لنا استدلالها في قضية أمة غلبت عليها الرجعية، لتلبس ثوب التخلف إلى الأبد مادامت شعوبها تتأثر بالخرافة والجهل المركب.
نحتاج إلى حملة توعوية كبيرة، يتحمل الجزء الأكبر منها الأدباء، ولعمري إن المتطرف من الأدباء ليس أديبا، بل فايروس ينهش جسد الثقافة.
