الأستاذة الناقدة والأديبة المبدعة وقراءتها في نص مدهش للأديب عمر حمش
اللغة المحلقة
تتحول قراءة نصوص الأستاذ عمر حمش إلى متعة خاصة، لأن اللغة الإبداعية الشعرية و الدافقة تستفز نهم القراءة الروحية، حيث يتولد المعنى، من ذات المتلقي وفضائه الخاص كما ينساب من السرد الذاتي بشموليته و ارتقائه وتكثيفه، ومعجمه الدلالي العميق المرتبط بالوجدان الإنساني الصرف.
على عتبة الدلالات نغرق في السرد، نتقابل مع البديل الآخر، لبنيوية القصيدة المختبئة في الرمز،المتوهجة في الشخوص ،المنصتة لأفق التوقعات المضمر،
حيث الملفوظ هو المستتر، والمسكوت عنه عو المتواري خلف روح السياق،لأنّ اللغة المهيمنة قد تسيدت الفضاء السردي الثاقب،اللغة وحدها امتلكت ناصية الحكاية وعشقها. في رسائل مزدوجة الغاية، تمدنا بظلالها الأخرى كالمرايا... بدفء الحقائق الشاحبة وسطوة انعكاسها.
من الصعب مغادرة نص يسكنه شهيد في إطار، متملكًا قداسة الأولياء،كلي المقدرة كلسلطان أسطوري، هائل المعرفة كمن لم يمت يومًا، مراقبا حياة كان قد غادرها،متشفيًا بالهزائم المنثورة في غيابه، يراقب بفيض خاطره، الخونة النائمين والأمة المسلوبة التي تطلق صراخها وألمها، العاشق الخالد الذي يفك دمع المرأة الصامدة(عزيزة)، تلك التي تشبه الآلهة رغم انكسارها وفقدها رغم أنوثتها الجريحة أو أمومتها الناقصة.
تأتي الرسالة الأولى... كإذعان انبهار يتوقعه الكاتب الفذ لجمهور العامة، لنا نحن، المعلقة أحداقنا بشجاعة الغائب،(المقيم) في ذاكرة صور الجدار الموجعة،بذهانه الحاضر وبقائه الحي بعد الموت ، وفي جماله المطلق الذي لايذوي وكأننا من نموت وهو من يبقى على قيد الخلود. تلك الروحانية الشفيفة التي تتقد بدهشة انتقاء الكلمة وفوضاها، فتنغرز كالأوتاد لتصف لنا جلالة من نتضاءل أمام طهره وامتداده وقلقه على وطن جريح ،وكما ورد في النص:
أيّها المُلتذُّ؛ وأنت تصول، ولستَ المُبرحَ، ولا المستنكفَ؛ تحلّقُ، وأنت المقيم
لا يتعب الغائب، لا يقف صامتًا، يتابع ألم مايجري،، ويؤجج لهفة الأفئدة نحو النضال إن خبت، وينخز الموتى الهائمين إن نسوا، تلك سطوة القادة الراحلين الذين لا يستريحون.
وتناجيه (عزيزة) الحلم الصابر الرقيق، الفاقدة في شجن وشوق، المرأة الرمز في نضالها الصامت،تعد شهيدها بإكمال ما بدأ به، هي المتحدة بروحه والملتصقة بعنائه، والمتسربة من مبادئه وأفكاره وعذاباته. ويبدو النضال الوطني أعمق تجذرًا من الحب، و العشق، والوله و الأمومةو الأخوة و رحلة الحياة.
الرسالة الثانية تأتي من (المغرد) ل
جيل قادم.. يشبهنا نحن الضائعين،المتخبطين في ظلمة الواقع القاهر،في قدرية حياة مبهمة غدت بلا قيم، صوته يضيء الجحور المثلمة بالخنوع، تلك التي نسكنها، مثل أسراب النمل التي بحثت عن رغيف الخبز ونست هموم الوطن السليب.
الرسالة الثالثة هي رسالة (المحلق) المترفع عن المشهد،الذي يتسامى بقامته الشاهقة،و الذي نتقزم أمام خلوده الطويل ودمه الذي لا يجف. و يحسدونه على اكتماله، ونقائه وخلوه من العيوب، وانكفائه على عوالمه التي تبدأ من الصورة المعلقة لتستحوذ على جحور (النمل)؛ على العوام الهامشين السائرين بلا هدف ولا رؤيا ولا قيمة، الحكائون، النائمون الذين يرددون الشعارات (يمضغون الكلام) وينسون روح القضية.
تأتي صيغة النداء الواسع.... كثوب يلتصق بكل فرد، على حدة، إنها
الرسالة الأخيرة هي رسالة الكاتب لنا، ويتوحد المناضل القديم، بروح الشهيد التي تستحوذ على قدسية الوجود، وتطلق دعوة التنوير وترتق الجرح الأخير مثل وصايا الأنبياء،
تلك الغواية المضنية يا أستاذ عمر حمش... بلغة تقصم حد السيف بلا تكلف، وتزهر مثل الأقحوان ذات ربيع في القلب، و توقظ فينا ذاك السبات العقيم الزاحف كأسراب النمل وتدنو إلينا بسر وحيد، وحده دم الشهيد من سيسمم الجناة، يعتقل الخونة ويضيء الدرب للقادمين
إذهال...
Kinana Eissa
رسائلُ المُحَلّقِ المُقيم .. عمر حمش
أيا ساكنَ البروازِ، والهائم بما أنت فيه:
كأنّك عشتَ؛ لتعلَقَ شارةَ ضبطٍ لحركةِ العابرين، يُلقون نظرَ الغدوِ، والرّواح؛ فتبزغْ كريشةِ زَغَبٍ، وتُرعِشُ كلمحٍ، وتدورُ كذبالةِ ضوءٍ. تمكثُ بشبقٍِ؛ وأنت تجمعُ الهمسَ، أو تصفّفُ الصمتَ كمايسترو السكون.
أيّها المُلتذُّ؛ وأنت تصول، ولستَ المُبرحَ، ولا المستنكفَ؛ تحلّقُ، وأنت المقيم ..
تحطٌ على الأبوابِ، وتتلقطُ الأحلامَ من خلفِ الجُدُرِ، وتتسمعُ صدى الأكواخ.
يا ذاكَ المتتبعُ حصيلةَ حكاياتِ الزقاق .. من عزيزةَ نجمتِه المترنحة، حتى شخيرِ شيخِ الحيّ في منتهاه.
فإذا ما تسربَ النورُ، وقاموا قيامَ النّملِ؛ عاودْتَهم معاودةَ المباغت ..
أيا مُعلّقَ الجدارِ الباهت.
***
وعزيزةُ إن لمْ يقذفْها الزقاقُ؛ أمطرتها السماءُ وردةَ غيمةٍ، وتلقفتها الأرضُ طلقةَ نشيج.
تأتيك خفقةَ ريحٍ مع صيحةٍ .. عزيزةُ شعاعُ قلبِكَ، إلهةٌ تنطّطُ إليك شهقةَ رضيع:
- يا قتيلنا، ونديمنا، يا بنَ الضوءِ؛ تدفُقك الألوانُ، فتُبرق.
أيا روحنا الأثيرَ، وحبنَّا الأخير، وصوتَنا المغافلَ حشرجةَ خطوِنا؛ تسيلُ، لنشربك، ثمَّ نعيدَك صورةً .. ابنا للجدار.
تقولُ عزيزةُ، وتحدّقُ، تقولُ، وتذرفُ على وجنتيك دمعَ الانكسار.
***
يا مارةَ الناصيةِ المتهالكة:
نشف الدمعُ، وذهب الضيقُ، واتسعَ الصدرُ وِسعَ الآفاق.
أرقبُكم بشغفٍ، وأشفقُ،
وأنا المغرّدُ، ما بين مدفني، والزقاق ..
ليلُكم شمسي، ونهارُكم تأملي.
أرقبُ سعيَّكم، أيا أيُّها النُملُ المُزجُجُ بالترنّحِ في الثقوب.
***
ويمرّون مثقلين ..
يرمقُونه، ويمضغُون:
- يا لنظراتِ عينيه، وهي تنفلتُ خارجَ الإطار!
ويشهقُون لرسائلِ شفتيه في كلّ مرّةٍ:
- أيها النملُ المُضيٌعُ على ضفافِ الرَّملِ؛
احرسوا عزيزةَ، وشيخُ حيِّكم أوقظوه، وأوقفوه عن مضغِ الكلام.
عمر حمش

