العلاقات ام الرهبنة
كتب - الشيخ احسان الفضلي
هناك من يتبنى فكرة ضرورة الجلوس في الدار واعتزال الناس ويستشهد على صحة ذلك ببعض الروايات على سبيل المثال روى الكليني عن الامام الصادق عليه السلام بسند معتبر عن حفص بن غياث أنه قال: "إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فأفعل، فإن عليك في خروجك ان لا تغتاب، ولا تكذب، ولا تحسد، ولا ترائي، ولا تتصنع، ولا تداهن. ثم قال: نعم صومعة المسلم بيته، يكف فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه".
وهناك في الطرف المقابل من يحث على بناء شبكة من العلاقات والتواصل مع الناس ويستهشد لذلك بروايات مثل ما ورد عن الامام الصادق عليه السلام في حديث معتبر عن مرازم: "قال أبو عبد الله، جعفر بن محمد عليه السلام: عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنايز، انه لابد لكم من الناس، إن أحدا لا يستغني عن الناس حياته، فإما نحن نأتي جنائزهم، وانما ينبغي لكم أن تصنعوا مثل ما يصنع من تأتمون به، والناس لابد لبعضهم من بعض".
وهناك روايات تؤيد وجهة النظر الأولى وكذلك للثانية مثل ما ورد عن الائمة عليه السلام قولهم: "الانقباض عن الناس مكسبة العداوة".
ويذهب الفقهاء ومنهم شهيد المحراب إلى تأييد الطائفة الثانية من الرويات حيث يقول: "أن الفطرة الإنسانية تدعو الانسان إلى معاشرة الآخرين والارتباط والاستعانة بهم في قضاء حاجاتهم والتعرف عليهم". ويستدل على ذلك: "ما أشار إليه القرآن الكريم من أن الهدف من وراء تقسيم الناس إلى شعوب وقبائل –مع انهم من اصل واحد- هو (التعارف) وإيجاد العلاقات العامة: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)). وهناك العشرات من الأمثلة والموارد القرآنية التي تؤكد هذه الحقيقية الفطرية."
ويذهب إلى الجمع بين الروايات إلى ان الطائفة الأولى من الروايات يمكن تفسيرها: "بأنها تختص بالحالات الاستثنائية التي يجد الإنسان فيها نفسه ضعيفا أمام الضغوط والإغراءات، فيحتاط لنفسه بالعزلة."
كما يطرح تفسير آخر للجمع يتمثل بالتالي: "إنها أسلوب من أساليب التربية والتحذير والتنبيه إلى مخاطر المعاشرة التي هي أمر ضروري للناس لا يمكن استغنائهم عنها في حياتهم فلابد حينئذ للإنسان أن يكون حذرا من عواقبها وآثارها كما تشير إليه الرواية المتقدمة (ان قدرت على ان لا تخرج) ويؤكد هذا التفسير رواية مرازم التي تقول: (أن أحدا لا يستغني عن الناس في حياته.. والناس لابد لبعضهم من بعض)."
حيث يميل شهيد المحراب في تكامل الانسان إلى: "إن الله سبحانه خلق الإنسان للامتحان والابتلاء والفتنة ليتكامل من خلال تحمل المسؤولية واختيار الحق في مقابل الباطل، والصالح في مقابل الفاسد، حسب المسار الطبيعي لحركته في الكون والمجتمع، والهروب من الامتحان والفتنة بالهروب من المجتمع والحياة لا يحقق هذا الهدف التكاملي."
ثم يذهب شهيد المحراب إلى ان من لا يقبل بهذين الاحتمالين للجمع بين الرويات ويميل إلى تعارضهما فانه يؤكد ان روايات المعاشرة والانفتاح في العلاقات: "موافق للقرآن الكريم، والسنة النبوية، وهو أكثر عددا، واوثق سندا، وأكثر اشتهارا بين علماء الجماعة الصالحة، وعليه العمل والسيرة العامة للعملاء والصالحين. ويؤكده الآية الكريمة: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها)."
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: أكثروا من الأصدقاء في الدنيا، فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فحوائج يقومون بها، وأما في الآخرة، فإن أهل جهنم قالوا: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) صدق الله العلي العظيم

