رمى عقب سيجارته الأخيرة بعد أن لفظت أنفاسها ولم يتبق منها شيء، أطرق برأسه وهو يعدُّ ساعات الليل الكئيبة التي لم تنتهِ، بحزن ينظر لزوجته واطفاله وهم نيام على فراش قديم مطروح على الأرض، بخطىً ثقيلة أخذ يتمشى في غُرفَتَيْ البيت الخاويتين، ينظر الى الجدران الجرداء والمعلقة عليها صورة قديمة لوالده المتوفى وهو يرتدي الزي العربي وبجوارها صورة لأخيه الشاب الذي استشهد في أحد حروب الوطن العبثية، نظر الى المكان بألم شديد، لم يبقَ هناك شيئٌ يستحق البيع، فقد باع معظم حاجياته الأساسية، قبل أيام باع الثلاجة التي اشتراها من الجمعية التعاونية واكتفى بثلاجة صغيرة لا تصلح أن تكون لشخص يعيش لوحده، وقبلها باع المجمدة وزولية(سجادة) غرفة المعيشة، وقبلهن جميعًا باع (أخشاب) غرفة النوم، ثم استذكر ان أكثر شيءٍ آلمه هو إنه باع كتبه التي جمعها كتابًا كتابًا منذ أن مَسّه شيطان القراءة .
والآن ماذا يفعل؟ والى متى يبقى على هذا الحال؟ راتبهُ الشهري لا يكفيه أيامًا معدودة، مَن يقرضهُ حتى يستطيع ان يكمل ايام الشهر الطويلة؟ يعلم جيدًا ان الحالة المالية لكل الذين يعرفهم لا تختلف عنه كثيرًا ! ويعلم أيضًا ان الديون المتراكمة عليه لا يستطيع تسديدها في القريب العاجل ولا في البعيد الآجل!
بدأ يلوم نفسه..
ترى لو انه لم يكن انهى الدراسة الجامعية بل تعلَمَ حرفةً وانخرط في حينها بعملٍ يدوي بدل سنوات الدراسة التي لم تمنحه إلّا البؤس، أما كان وضعه المادي احسن؟
مدَّ يده على علبة السجاير فتذكّر إنها فارغة، انحنى والتقط عقب السيجارة الذي رماه في باحة البيت قبل قليل وحاول ان يشعلهُ مرة أُخرى لكنه أبى أن يشتعل، نظرَ اليه بحسرة قائلًا:
يبدو أن مصيرنا واحد!
انتهت.
