الروائي جواد الكاتب يقدم:
التجربة الواقعية الانسانية في رواية (جمهورية الديك) 1
بغداد – حمدي العطار
أستطاع الروائي "جواد الكاتب" ان يقدم لنا تجربة أنسانية واقعية في سردية تتداول عليها شخصيات الرواية ( عزيز البصري- عصام البغدادي- جنان- بليغ- وديع البدين- عدنان الديك) وعلى الرغم من واقعية الاحداث التي تقترب احيانا من التوثيق لكن القارئ سوف يرى الواقع والاحداث والشخصيات من خلال مشاعر ورؤية الروائي ، وهي تلك القدرة على زج الدراما وعناصر فن السينما في السردية
رواية (جمهورية الديك) الصادرة من دار لانة للطباعة والنشر والتوزيع سنة الاصدار 2021 والتي تقع في 233 صفحة وتحتوي على 12 فصلا ، كل فصل يحمل اسم السارد وهو يعبر عن احدى شخصيات الرواية، تعدد الاصوات وفر مساحة مناسبة للتعبير والتنويع في وجهات النظر.
صيرورة الواقع
لجأ الروائي الى التعامل مع الواقع ليس كشيء منفصل بل جعله (عملية صيرورة) للتخلص من رتابة السرد والانتقال المناسب بين الازمنة والاحداث المرتبطة بالشخصيات، فالبداية كانت الحاضر زمن الاحتلال الامريكي والمكان هو حلبة صراع الديكة في قاعة (لويس العراقي)، لكن بعد هجوم ديك عدنان على الامريكي الذي حاول العبث بالديك فهجم عليه ناقرا عينه ورقبته فيحاول ان يذبحه فيسارع عدنان الديك بالدفاع عنه واسقاط الامريكي المغرور، لكن سرعان ما ينتقل الزمن الى احداث تمثل الماضي "أنا ارى أنه من الأنسب لمن يحلل مأساتنا، إن يكون قد رضع من ثدي أيام الحصار الاقتصادي في التسعينيات، ومن زمن الاحتلال بعد عام الفين وثلاثة"ص10 ،ومن هذا الوضع المرتبك الذي يعلن فيه الامريكان عن مكافأة مالية كبيرة لمن يلقي القبض على عدنان الديك، يأتي حادث انتحار الشاب الذي يسكن في منزل (أم نبيل ) صيرورة اخرى "نبيل الذي قتل أيام حرب الخليج الثانية، حين سقط صاروخ فوق محطة كهرباء..كان البث مشوشا، تعمه ضوضاء وبلبة واختلاط في السمع، حيث امتزج نشيد إيراني يهتف "الله أكبر خميني رهبر" قال لي وهو يلوح بذراع واحدة :"لالا هذه المرحلة حسمها أخونا بالله انتهت" أدار "الراديو" فبرز صوت مذيع يعلن هنا لندن دار الاذاعة البريطانية ، أردف معلقا: هؤلاء ايضا موجودون الآن على الحدود مع جيوش التحالف لتحرير الكويت، أنا اريد اذاعة بغداد أين أختفت ؟ ،حظى على صوت الرئيس في آخر عبارة من خطابه للشعب العراقي: "الله اكبر الله أكبر وليخسأ الخاسئون"..غضب الله عليك وعلى رأسك، ما الذي جنيته يا مسخم"ص11، وصيرورة آخرى عند أنفجار شاحنة في الصدرية (لم لا تفتح التلفاز يا عم عزيز، دعنا نشاهد الكارثة!"ص54
الوعي الذاتي
يشعر القارئ بضرورة اشتباك الواقع مع الوعي الذاتي لفهم سردية جواد الكاتب، لأنه لا يقدم لنا شكل الواقع او الجزء المرئي من الواقع بل ما موجود تحت السطح الجزء غير المرئي من الواقع، ويجري ذلك بإنسيابية من دون تدخل مقصود تقول جنان عن حبيبها عدنان الديك "سوف ارى العالم كله في عينيه..اليس هو من عارض التحاقي بدورة قراءة القرآن الكريم بحجة أن الشيخ وارد رجل أرمل، ويخشى من تلصصه على الفتيات من دون علمهن..أم بليغ في كل مرة تزوره لشراء حاجة ما، أو تمر من أمام باب دكانه، يلاحقها بعينيه، ويشرع في مغازلتها ..حتى عرض عليها الزواج (المودرن )وكان لها شرطين (أولهما تسجيل نصف دارك بأسمي، وثانيهما قبولك تزويج ابنتك محاسن بأبني بليغ، أما مدة الزواج المؤقتة فأنت أهل الشرع) واخيرا رفضت اقتراحه الذي جاء في صلب رده الماكر : قبلت ولكن بشرط أيضا، وهو ان نفعلها لليلة واحدة"ص29
الواقع كعامل مساعد
صار الوقع العراقي المضطرب والذي يوصف بالفوضى عاملا مساعدا للروائي كي يخلق شخصيات اشكالية مثل (بليغ) وام بليغ والرفيق الحزبي في العهد البائد (فياض)، استغل الروائي العلاقات الشخصية المتداخلة ، مع تعدد اصوات السرد لتكون الحبكة الروائية متوزعة الى مجموعة من الحبكات مع كل سارد، فيجد القارئ في هذا السرد المتنوع متعة الاختلاف في طرح الحقائق التي يمكن ان لا تتماثل، فقد استخدم فياض نفوذه الحزبي للتخلص من ابو بليغ- حاتم السلمان- والزواج من ام بليغ، وهذه العقدة الدرامية جعلت من بليغ له الحق في التلصص على غرفة نوم امه مع فياض كل ليلة خميس وكذلك تدبير اغتياله بكاتم الصوت (فقد شرد أبي وتزوج أمي) (تناهى إلى سمعي صوت أنفاسهما، ظننتهما يطاردان فأرا ..نظرت الى الساعة الثالثة صباحا..استرقت النظر من خلال ثغرة نحتتها الأرضية في جانبه، التقطت عيناي جزءا من مقدمة جسديهما، كمشهد جزئي لصورة، كانا يستلقيان على بلاط الممر الاملس الذي يؤدي إلى الحمام والمطبخ، ولما انتقلت ببصري إلى ثقب الباب اكتمل المنظر الجهنمي في محيط عيني، رأيت الفحل يمتطيها، وهي تلوي له رقبتها في ذهول، حانيا القفا، تتلقى عصف هياجه، تأملت وجهها، كانت عيناها كعيني كلبة يباشرها كلب جامح، ولأشباع رغبتي، وسعت ثغرة الباب الجانبية قليلا وداومت على التلصص بلهفة..تيقنت أن منازلتهما الحميمية لا تتوهج إلا أيام الخميس"ص55 ، نجح الروائي في انتزاع الجمال من الفوضى ، والقارئ الذي لا يتلمس تلك المتعة من السرد فهو على الاقل يكون جاهزا على إثارة الاسئلة ، فالرواية تمهد الطريق لخلق الاسئلة المناسبة.
يتبع
