((محمد البنا.. أديب مصري يكتب القصةَ والشعرَ والنقدَ الأدبيِّ. وعندما يكتبُ لابد أن يقول شيئًا. وغالبًا ما يكون القصدُ مُخَبَّأً بين السطورِ. وسطورُ قصةِ "البئر" صرخةٌ لابد أن يرنَّ صداها في الأعماق.. ))
علي البدر
1) القصة:
البئر
الشمسُ تنحني في تؤدةٍ ، لتتوارى خلف أغصان أشجار السرو وأوراقها الكثيفة ، يصطحبه أبوه ليؤنسا وحدة جده ، الجالس على حافة البئر ، يلقي كعادته حجرًا صغيرًا فيه ، فيتابعه الجد مُرهفًا السمع لصوت ارتطامه بالماء ، إلى أن يتلاشى ، بينما الأب لا يلقي له بالًا ..... الآن ، هاهى الشمس آخذةً في الإفول ، وها هما قادمان ، يجلسان بجواره ، يلتقط حفيدُه حجرًا ، يُلقيه في البئر ، يتابعه بإهتمام ، ويبتسم .
محمد البنا
2) التحليل النقدي:
إن الشمسَ هنا سيمياءٌ symbol لتعاقب الليل والنهار، فهي " تتوارى خلف أغصان أشجار السرو...". ويبدو أننا أمام تواصل متكرر فالطفل " يلقي كعادته حجرًا صغيرًا فيه ". والتواصل يُوَلِّدُ التكرار، والتكرار يعني تكوين ما نسميه " ألعادة"، وهي حسب التفسير السايكولوجي : تكرارٌ لا شعوريٌ لسلوك معين يؤدي إلى الرضا والإرتياح للفرد. وهاهو الحفيد وبرعاية الأب والجد يلتقط حجراً و " يلقيه في البئر...". ومع تعاقب الأيام وتجذر العادة يمتليء البئربالحجر ، ليؤدي في النهاية إلى انحسار تدريجي للماء فيقود لموت بطيئ لمصدر حياةٍ هي أصلُ كلِّ شيء حي.
لقد استعمل القاص والناقد محمد البنا البئر كرمز دلالي، بدا كمراقب لحدث وكراوٍ عليم يحرك شخوصَ القصةِ بلغة متوسطة سلسة وغير معقدة، ممزوجة بومضات تثير تساؤلات لابد من البحث في مفاصل النص لفك عقدتها وحلها. فقد يكون البئر نهراً أو بحيرة أو أرضاً او أية دلالة مشاعة. وإن لوَّثنا البئرَ بحجر، فإن النهر الذي نشرب منه أصبح مكباً للنفايات والمياه الثقيلة، وأزبال ملايين البشر تُطْمَرُ في التربة، لتجري بعدها نحو النهر في مواسم الأمطار، بينما حولت بعض الشعوب نفاياتها إلى مصدر طاقة ونماء. لقد نجح القاص محمد البنا في نص سردي غاية في التركيز والإمتداد العامودي ليثير جدلاً لابد منه. لماذا نهدم ما بنيناه بسنين ليكون الثمنُ باهظاً الآن أو غداً أو بعد حين؟
علي البدر

