-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

ضَياعٌ. ( قصة قصيرة )بقلم الأديب القاص: علي خالد/ تونس

ضَياعٌ..

( قصة قصيرة )


استيقظتُ على رنين منبّهِ هاتفي الجوّال . بحركةٍ روتينية ، استدرتُ، أسكتُّ صوته المزعج وأنا أغالب النّعاسُ . كانت السّاعة الثالثة والنصف صباحًا، نصفُ ساعةٍ كافيةٌ لتناول وجبة السّحور . كانت ليلةُ البارحة ليلةً مرهقةً قضيتُها بين الهاتفِ و"الميسنجر" أردُّ على مكالمات ورسائل الأبناء والأحفاد المقيمين في ديار الغربة .
_ مساء النور يا أبي ...أرجو أن تكون بخير...كيف تتدبّر أمرك !؟ كيف حالها أمّي ؟ سأكون عندك في أول طائرة يسمحون لها بالطيران... قلبي معكما يا أبي.
_ جدّي ...هل أنت بخير ؟! تركتُ لك رسالةً في الصّباح ولم تجبني ...كيف حالك الآن!؟ اهتمّ بنفسك أنت أيضًا، فلم تستعدْ تمام عافيتك بعدُ ...أحبّك يا جدّي.
_ أبي ...ماكان ينبغي أن تقضي الشهر الكريم بمفردك. كان عليك أن تستقدم عمّتي عندك على الأقل ...أعرف وضعها الصحّي ولكنّها ستؤنسك على كل حال...سامحني يا أبي ...أنت تتفهم ظروفنا... وهذا الحجر اللّعين الذي أوقف أنفاس العالم وعطّل جميع الرّحلات .

في تثاقل ، سِرت نحو الحمّام . برودة الماء خفّفتْ عنّي الصّداع وأذهبتْ النومَ عن جفنيّ . استشعرتُ بعض نشاطٍ . عليّ أن أزدردَ ما به أقوى على صيام يوم جديد ، فطعام الإفطار لا يزال على الطّاولة على حاله . اكتفيتُ بحبّات التّمر وقليلًا من اللّبن وبعض ملاعق من الحساء . فَلْأسرع إذن قبل أن يفاجئني صوتُ المؤذّن معلنا ساعة الامساك. دلفتُ إلى المطبخ . الطّاولة مرتّبة غايةً في الترتيب . الأواني نظيفة موضوعة بعنايةٍ في الرّف . لا أذكر أنّي قد رتّبتها بعد الإفطار!!؟ فتحتُ الثلّاجة . كل مافيها مرتّبٌ منظّمٌ . هل أنا في حلم !!؟ يبدو أنّها كانت على صواب حين تقول لي دائمًا أنّ ذاكرتي لم تعد على مايرام .أصبحت أنسى كثيرا. أشعرُ بجفاف شديدٍ في الحلقِ .أتناول قارورة الماء البارد و أعبُّ منها ما يطفئ ظمئي . وجبةُ السّحور لم تعد تختلف في شيءٍ عن فطور الصباح : كأس عصيرٍ أو حبّة غلالٍ ، قهوة دافئة ، حبّة دواء الضّغط مع كأس ماء وسيجارة أدخّنها خِلسة بالفناء الخارجي مع ماتبقّى من القهوة في الفنجان، أتظاهر في كلّ مرّة بالخروج لأشمّ الهواء وتتشاغل هي، كالعادة ، بتنظيف الطّاولة حتى لاتفسد عليّ خُلْوتي مع السيجارة . كنت قد فرغتُ من إعداد القهوة ، بعد أن قلّبْتُ كلّ العلب في الرفّ بحثا عن البُنّ ، وأهمُّ بوضعها على الطاولة حين تناهى إلى مسمعي حفيف كرسيّ من خلفي . رائحة أنفاسِها غلبت عبقَ القهوة . يا إلهي ! هذا عِطرُها . كيف أخطِئُه!؟ استدرتُ . حُبِسَتْ أنفاسي ؛ كانت تجلسُ في هدوئِها المعتادِ إلى الطّاولة ، تطلي قطع الفطائر بعسل النّحل وتضعها في صحنِي . أصابني بعض دُوارٍ . حالةُ الضّياع هذه لم تفارقني منذ أُصبتُ بهذا الكوفيد اللّعين . ورغم شفائي التّام منه ، كما تقول الفحوصات تعمّقت حالة التيه معي منذ عرف الفيروسُ الطريق إلى جسدها الضعيف .إختلف الأمرُ معها كثيرًا ؛ لم تنفع الأدويةُ التي وصفها لها الطبيب حتّى دخلت المصحّة في حالة قصور حادّ في التّنفس .أشدُّ ما يُؤلمني أن أكون ،رغم حرصي ،السّبب في انتقال الفيروس إليها . كلّ توسّلاتي لإبعادها عنّي باءت بالفشل . أصرّت على تمريضي بنفسها . لا أدري كيف حصل ذلك رغم اجتهاد كلينا في التوقّي . وما يؤلمني الآن أكثر أنّني طاوعتها فلم أخبرْ الأبناء بإصابتها . وحين طلبتْ رُؤيتهم فات الأوانُ ، فقد أغلقت كل مطارات وموانئ العالم. لم أستطع أن أغفر لنفسي سوء التقدير ، ليتها تغفر لي . أنظر إليها بدهشةٍ الآن . لا أصدّق عينيّ . يعاودني الصّداعُ . لا أتمالكُ نفسي . أرتعشُ . ابريق القهوة يكاد يسقطُ من يدي . قشعريرةٌ تسري في كامل بدني . ياه ! هذه خصلاتُ شعرها تنسربُ ، كما كانت دائمًا ، من تحت شالها الأخضر . يا الله ! أيعقل هذا !؟ نعم إنّها هي . _ حبيبة ...هذه أنتِ !؟ ترفعُ رأسها .تبتسمُ . تُومِئُ برأسها أنْ إجلسْ . تتناول من يدي المرتعشة إبريق القهوة الدّافئِ . تُناولني صحن فطائر العسل . تلامس أناملُها ظهر يدي فيُصيبني خِدرٌ لذيذٌ ، أسحبُ الكرسيّ بهدوء وأسلمُه جسدي المُنهكَ . تغمرُني بابتسامتها من جديد . أهمّ بوضع قطعِ السّكر في فنجان قهوتي فتمسك يدي كما تفعل دائمًا . ألفُّ يديّ الإثنتين حول يدها وأغمض عينيّ . تقفُ ...تطوّقُني بذراعيْها راسمةً قبلةً خفيفةً على رأسي فأستسلم لحضنها كالرضيع ... وتتداعى الصّورُ وتتقاطعُ في فوضى الزّمانِ والمكانِ . لا أدري لِمَ شعرتُ للحظة ببرودة ذراعيها حول رقبتي . ارتعشْتُ فأطلقَتْهما ، شعرتُ برفرفة كرفرفة جناحيْ طائر بين كتفيّ . يرنُّ الهاتفُ من جديد ...الهاتفُ اللّعينُ لا يكفُّ عن الرنين ...رنّاته المزعجةُ ترتفعُ أكثر فأقوى ... تصيبني رجفةٌ . أنتفض واقفًا . أفتح عينيّ في فزعٍ فإذا شعاعٌ من نور خافتٍ يتسرّب من خلف السّتارةِ الدّكناءِ ويرتسم على إطارٍ كبيرٍ معلّق بجدار الغرفة يحمل صورة جمعتني وإيّاها مع الأبناء والأحفاد في إجازتهم الصيفية الأخيرة. الهاتفُ ...أين وضعتُه. - آلو .. - آلو... السيد صابر ...صباح الخير. - صباح الخير ...نعم ...من معي !؟ - المصحّة ، سيدي ... هل تتفضل بالحضور لدينا هذا الصّباح. حين اغلقتُ الخطَّ ، كان صوتُ المؤذّن قد بلغ عنان السّماء معلنًا آذان الفجر .
علي خالد / تونس.


عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية