أبو العلاء المعري أجمل المتشككين
هل يمكن أن يكون الملحد أو المتشكك جميلا ؟ والجواب يمكن حين يكون ثاقب الرأي وذا خيال واسع وجرأة غير متوقعة وتحليل ممتاز بحكم قدرته العقلية والمعرفية و أول ما يعجب عند أبي العلاء المعري أنّه رفض تقديس الأشخاص أو تقديس الأشياء بتجرّد وشجاعة تندر في زمانه وتزداد ندر ة في زماننا مستندا إلى العقل وفي كل أحواله فإنّه لم يكن ينكر الخالق العظيم ولكنه أنكر من باع واشترى بالإله
(قلتم لنا خالق حكيم
قلنا صدقتم كذا نقول
زعمتموه بلا مكان
ولا زمان ألا فقولوا
هذا كلام له خبيء
معناه ليست لنا عقول)
***
ولربما شكّك في التناقض العقلي والفكري لبعض المفاهيم الكبرى مثل قضية الموت والحياة على أننا يجب أن ننظر لحالة أبي العلاء النفسية والجسمية باعتباره أعمى وفي الوقت نفسه علينا معرفته ومعرفة قدرة بصيرته التي فاقت آلاف المبصرين في الرؤيا والتأمل يهذا العالم العجيب .. انظر كيف كان جريئا في هذا القول :
أ نهيت عن قتل النفوس تعمدا
وبعثت أنت لقبضها ملكين
****
يصنف الفيلسوف الشاعر الناس إلى صنفين وهو بذلك يلتمس جوهر مشكلتنا وهي مشكلة مازالت قائمة إلى يومنا هذا فيقول :
اثنان أهل الارض ذو عقل بلا
دين و آخر ديّن لا عقل له
****
يعتقد أبو العلاء أن الديانات مكر جاءنا من القدماء وهو يعني هنا استخدام الدين وسيلة للمصالح الخاصة بالسادة المتنفذين وقدسبق ماركس في هذا حين قال الأخير الدين أفيون الشعوب ولكن المتدينين لايكملون قول ماركس المكمل لهذه الجملة الشهيرة وهو : وأغنية ينشدها المؤمنون في الحياة
أفيقوا أفيقوا ياغواة فإنما
دياناتكم مكر من القدماء
***
ويشكك المعري في كل شيء مطبقا مبدأ دي كارت سابقا إياه بطريقة الشعر الفلسفي الخاص به ويحسد الناس البسيطة التي كانت تعيش بلا واسطة من الرسل في علاقتها مع الإله ويذكرني ذلك بجملة قرأتها ذات يوم مضمونها أن هنالك أناسا أعظم من الأنبياء واستغربت حتى قرأت : إنهم أولئك الذين اكتشفوا الإله بلا واسطة !!
ولا تحسب مقال الرسل حقا
ولكن قول زور سطروه
وكان الناس في يمن رغيد
فجاؤوا بالمحال فكدروه
*****
المعري يرفض الجهل والأباطيل وتزوير حقيقة الإله فينكر النفاق والبيع والشراء عند الاجيال المتعاقبة .
(دين وكفر وأنباء تقص
وفرقان وتوراة وإنجيل
في كل جيل أباطيل يدان بها
فهل تفرديوما بالهدى جيل)
****
كما يشير إلى أن الناس تعودت دينا معينا منذ نشأتها وكل من تعوّد شيئا صعب عليه التفريط بقداسته فتنشأ الحروب والصراعات ويشير إلى العقل قبل التعوّد من قبل الأقربين الذين يعودونه على ما يريدون .
(وينشأ ناشيء الفتيان منا
على ما كان عوّده أبوه
ومادام الفتى بحجى ولكن
يعلمه التدين أقربوه )
***
ويشير إلى الصراعات الدينية التي من نتائجها إسالة دم البشرية متسائلا ماالصحيح ؟
في اللاذقية ضجة
مابين أحمد والمسيح
هذا بناقوس يدق
وذا بمئذنة يصيح
كل يعظم دينه
يا ليت شعري ما الصحيح ؟)
*****
العقل هو المقياس عند المعري فإذا رجع الإنسان إلى عقله تهاوت المذاهب واحتقرها
(إذا رجع الحكيم الى حجاه
تهاون بالمذاهب وازدراها )
******
كما يعتقد المعري بجرأة أن عبادة الاوثان هي ذاتها في لمس الركن وأنه امتداد لبقية الأوثان والأنصاب في الجاهلية .
(ماالركن في قول ناس لست أذكرهم
إلا بقية أوثان وأنصاب )
*****
ويقول المعري إن آدم هو امتداد لأمة من أوادم وهو بذلك يسبق دارون في التشكك عنده وتصور أمم البشر .
(جائز أن يكون آدم هذا
قبله آدم على إثر آدم )
إن المعري فيلسوف من طراز خاص ومازلت متعجبا كيف لم يقتل من قبل المتشددين على آرائه هذه ربما لانه عبر عن الشك والإلحاد بأجمل الصور والأساليب الفنية التي كانت في صدور الكثيرين ولكنهم لا يجرؤون على القول إضافة إلى القيم الأخلاقية الزاهدة التي لديه والتي تذكر الإنسان المتجبر بضرورة الانتباه إلى مصير الكون والوجود كقوله :
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد


