لم يكُنِ الليلُ أمرًا عابرًا فـي خَيالِ الشعراء، بل كانَ جزءًا مهمًّا من نَصِّهم الشعري، سَواءٌ من باب الـمـَجاز أو الدَّلالةِ الـمُباشرة؛ غير أنَّ حديثَ الليل عندَ أهل الشعرِ والأدب حديثٌ طويل، وربَّما ذو شجون؛ فتارةً يكون مصدرَ إلهامٍ وسكون وطمأنينة، ومحلَّ ترحيب، وتارةً يكون باعِثًا على الألم جالبًا للشَّكْوى والأنين.
الليلُ ثقيلٌ على الانتظار؛ والانتظارُ ثقيلٌ على العاشِقين والـمُوجَعين والـمتشوِّقين للنور، خَفيفٌ على الباحِثين عن الهدوءِ والـمُحْتَفين بالعتمَة والناشِدين للخلود فـي حِضْن السُّكون.
لقد ألقى الليلُ بظِلالِه على الشعراء؛ حتى إنَّه قد لا تجد شاعرًا لم ينلِ الليلُ حظوةً من شعِره، رغبةً أو رهبة، انتظارًا أو تخوُّفًا، تَرْحيبًا أو نُفورًا.
الليلُ عندَ امرئِ القَيْس طاغٍ طَويلٌ، كبحرِ مُعلَّقتِه الطويل؛ وهو يأتـي بالهموم، ويأبـى الرَّحيل، ويَتعنَّت في استقبال الصباح، رغم أنَّ هذا الصباحَ قد لا يكون أفضلَ منه حالًا. وقد أفاضُ الشاعر فـي إثباتِ طول هذا الليل، واستعملَ لأجل ذلك كلَّ ما أُوتيَ من براعةِ التصوير ليزرع ذلك الـمعنى فـي ذهن الـمُتلقِّي. وفـي ذلك يَقول:
وليلٍ كموجِ البحرِ أَرْخى سُدولَهُ
عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليَبْتَلي
فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّى بصُلْبِهِ
وأردَفَ أعجازًا وناءَ بكَلْكلِ
أَلا أيُّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي
بصُبْحٍ وما الإصْباحَ مِنكَ بأمثَلِ
فيا لكَ من ليلٍ كأنَّ نُجومَهُ
بكلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بيَذبُلِ
كأنَّ الثريَّا عُلِّقتْ فـي مَصابِها
بأمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمّ جَندَلِ
ولا يبتعدُ النابغةُ الذُّبيَانـي كثيرًا عن هذه الشكوى من اللَّيْل، حيث يَبثُّ شكواه تلك إلى محبوبته، ويخبرها أنَّ هذا اللَّيْلَ مرهقٌ له فـي طوله، مُتبلِّدٌ فـي سيره، عابِثٌ فـي دوام ظُلمتِه، كأنَّ من يرعاه ذهبَ ونسيَه ضيفًا ساهرًا ثَقيلًا:
كِليني لهمٍّ، يا أُمَيْمَةَ، ناصبِ
وليلٍ أقاسيهِ، بطيءِ الكواكبِ
تَقاعسَ حتى قلتُ ليسَ بمُنْقَضٍ
وليسَ الذي يَرعَى النجومَ بآيِبِ
وصَدْرٍ أراحَ الليلُ عازِبَ همِّهِ
تَضاعَفَ فيه الحزْنُ من كلِّ جانبِ
والليلُ عندَ الشاعِر الحصري القَيْروانـي ليلٌ طويل على العاشقين، لأنَّ فيه انتظارًا للحبيبة، على أملٍ اللقاء بها بعدَ أن ينقضي؛ وربَّما أنَّ ليلَ العاشقين أطولُ بكثيرٍ من ليلِ السَّاهِرين، كيف لا؟! والشوقُ إلى ذلك اللقاء قد لا يُوازيه شوقٌ، إنَّه ذو وقعٍ أشدَّ من وقعِ الألم الـمُستديم، فهو محفوفٌ بلوعةِ الانتظار ورغبة الوصل:
يا لَيْلُ الصبُّ متى غَدُه؟
أَقِيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ؟
رَقدَ السُّمَّارُ فأَرَّقه
أَسَفٌ للبيْنِ يُردِّدهُ
فبكاهُ النجمُ ورقَّ لَهُ
ممّا يَرْعاه ويرْصُدهُ
ولليلِ عندَ ابنِ زريق البَغْدادي ذِكْرى حزينة، كحالِ قَصيدتِه الـمُفعَمة بالأسى، الـمَشْغولة بالألم، والعامرة بالتفجُّع، والـمَمْلوءة بالحكمَة وإن كانت حِكمةً تَكْتنفُها غُصَّةٌ وشَرَق؛ وهو، أي الليل، فريدٌ من نوعِه كفَريدتِه الـمَشهورة الوَحيدة التي عرفها تاريخُ الشعر عنه، ولم يعرفْ له سِوى بضع قَصائِد أخرى لم تُشْتهَر مثلها ولا أَدْري مَدى صحَّة نَسْبها إليه؛ فكانت تلك العَيْنيَّة شاردةً من شَواردِ هذا الجنسِ الأدبـي البهيّ.
وفـي هذه الفَريدَةِ التي خلدَّت الشاعر كمٌّ لا يُسْتهان به من الوجع الذي طافَ بليل الشَّاعر، فأقضَّ مَضْجعَه، وأرَّق نومَه، وقذفَ به إلى جوفِ السَّهر الطويل الحافل بالشكوى؛ لكنَّ تلك الليالي الـمُوحِشات يُرْتجى أن تأتـيَ بالحبيب مثلما كانَ سببًا فـي حمَّى الأَرَق وحَميم الانتِظار؛ حيث يقول:
إِنـّي لَأَقطَعُ أيّامِي وأُنفِقُها
بِحَسرَةٍ مِنهُ فـِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ
بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ
بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيْلي لَستُ أَهجَعُهُ
لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعٌ وَكَذا
لا يَطمَئِنُّ لَهُ - مُذ بِنتُ - مَضْجَعُهُ
لَأَصبِرَنَّ لدهر ٍلا يُمَتِّعُنِي
بِهِ وَلا بـِيَ فـي حالٍ يُمَتِّعُهُ
عِلمًا بِأَنَّ اِصطِباري مُعْقِبٌ فَرَجًا
فَأَضيَقُ الأَمرِ - إِن فَكَّرتَ - أَوسَعُهُ
عَسى اللَيالـي الَّتي أَضْنَت بِفُرقَتَنا
جِسْمي سَتَجمَعُنِي يَومًا وتَجمَعُهُ
ولا ينفصلُ الشاعرُ عبد الله البردونـي فـي نظرتِه لليل عن كثيرٍ ممَّن سبقه؛ فهو يراه بطيئًا، مُتثاقِلَ الخُطا، أليمَ الوَقْع، هائمًا على نفسِه لا يملُّ من الطول، مَرْتعًا للحيارَى والخائبين، صامِتًا رغم ما قد يعتريه من ضجَّةٍ وصَخَب داخلِيَيْن، حافلًا بالصَّبابةِ والشوق والأنين؛ فهل أرادَ الشاعرُ بهذه الرؤية لليل لَيْلةً أو لياليَ معيَّنة ألقت بثقلها عليه، أم أنَّ الليلَ لديه هو هكذا دائمًا؟:
كئيبٌ بَطيءُ الخطا مؤلـمُ
يَسيرُ إلى حيثُ لا يَعْلمُ
ويَسْري ويَسْري فلا يَنْتهي
سَراهُ ولا نَهْجُه الـمُظْلِم
وتَنْساب أشباحُه فـي السُّكونِ
حَيارَى بخَيْبتِها تَحْلمُ
هو اللَّيلُ فـي صَمْتِه ضَجَّةٌ
وفـي سرِّهِ عالَـمٌ أَبْكَمُ
كأنَّ الصَّباباتِ فـي أُفْقِهِ
تَئِنُّ فترتعشُ الأَنْجمُ
حَزينٌ غريقٌ بأَحْزانِهِ
كَئيبٌ بآلامِهِ مُفْعَمُ
كأنَّ النجومَ على صَدْرِهِ
جِراحٌ يَلوحُ عليها الدَّمُ
وللمُتنبِّي مع الليلِ معركةٌ أخرى؛ فهو قرينُ الألم والـمُعاناة، فـي تلك الـمِحنَة التي ألـمَّت به على الأقلّ؛ فالليلُ يعني له عودةَ الحمَّى التي أشبعت جسمَه إيلامًا، حتى نخرت عِظامَه، وأوغلت فيها؛ وهي لا تخلفُ وعدًا، تأتـي مع بَدْءِ الظلام كلَّ يوم، ضيفًا مَفْروضًا شديدَ الوَطْأة، عَنيفَ الفَوْعَة، بلا خجلٍ ولا انصراف؛ وحينما يحلُّ الصباحُ ويُؤذَن لها بالذهاب تلقي على شاعرنا من فَيْضِ التعرُّق ما لا يُقاس:
وَزَائِرَتـي كَأنّ بهَا حَيَاءً
فَلَيسَ تَزُورُ إلَّا فـي الظّلامِ
بَذَلْتُ لهَا الـمَطَارِفَ وَالحَشَايَا
فَعَافَتْهَا وَبَاتَتْ فـي عِظامي
يَضِيقُ الجِلْدُ عَنْ نَفَسي وَعَنها
فَتُوسِعُهُ بِأنْوَاعِ السّقَامِ
إِذا ما فارَقَتني غَسَّلَتني
كَأَنّا عاكِفانِ عَلى حَرامِ
كأنّ الصّبْحَ يَطرُدُها فتَجرِي
مَدامِعُهَا بأرْبَعَةٍ سِجَامِ
أُرَاقِبُ وَقْتَهَا مِنْ غَيرِ شَوْقٍ
مُرَاقَبَةَ الـمَشُـوقِ الـمُسْـتَهَامِ
وَيَصْدُقُ وَعْدُهَا وَالصّدْقُ شرٌّ
إذا ألْقَاكَ فـي الكُرَبِ العِظامِ
ولكن، إذا كان الليلُ مصدرَ ألمٍ وشكوى لكثيرٍ من الشعراء، فهو مصدرُ إلهامٍ وإبداع وانطلاق لكثيرٍ منهم أيضًا. وقد صدقَ أحدُ الشعراء، وهو الشاعرُ محمَّد يوسف مقلّد الـمُتوفَّى عام 1965 م، حينَ قال:
سُكونُ الليلِ للشُّعراء وَحْيٌ
تَنزَّلَ من سَماواتِ الوُجومِ
أَبيتُ مُناجِيًا روحي، وطَرْفـي
يُطارِدُ فـي الهَوى نَظراتِ ريمِ
ويرى ياسر الأطرش فـي الليل منحةً سماويَّة، حافلةً بالعطاء والكلام والصمت معًا؛ فالليلُ يطرد الخوف، ويفتح الحديثَ للصدور والفضاءَ للأَحْلام والـمُنى، لكنَّه قد يُشرِّع الأبوابَ للذكريَّات الحزينة، فتَفيض على أصحابها بالدُّموع والتشكِّي والفَضْفضة؛ الليلُ عندَ الشاعر حفلةٌ من الـمُتناقِضات، لا يجمعها إلَّا سُكونه وهدأتُه، وظَلامُه وعَتْمتُه:
فـي اللَّيلِ يَسْقط عن مَتاريس القلوبِ الخوفُ
تَنْشقُّ الصدورُ
وتَنْبت الأحلامُ كالأعشابِ فوقَ وسادةِ الوقت الفقيرْ
فـي الليلِ يَعْبرنا الأسى
وتُعرّشُ الأحزانُ فوقَ بيوتنا؛ الكلماتُ تنفضُ عن جناحَيْها الغبار
وتَسْتريح على بياضِ الصمتِ
فـي النهرِ الذي بين الحقيقةِ والكلامْ
فـي الليلِ ينتحرُ الظلامْ
وتمارس الأشياءُ خطوتَها البريئةَ
كلُّ شيءٍ نامَ .. إلَّا أنه لا شيءَ نامْ
فـي الليلِ تَغْتسلُ القلوبُ بماء صحوتها
وتَنْبِضُ .. أنْ على الناس السَّلامْ
وعندَ محمَّد بن علي السنوسي الليلُ شيءٌ آخر، قِصَّة أخرى، حديث مُطوَّل وثريّ؛ فهناك ليلُ الـمدينة وليلُ الريف، وبينهما بَوْنٌ شاسِع، تَتجلَّى صفاتُه فـي الريف تَجلِّيًا لا يُوازيه ليلُ الـمدينة أبدًا؛ هو ليلٌ حَفِيُّ بالجمال، يَرْقى إلى منزلة مَلائِك السَّماء، يُعانِق غُموضَ الفلسفَة، ونبضَ الشُّعَراء، وطُهْرَ الخواطِر، وأنينَ العاشِقين، وصمتَ الواجِمين، وخَجْلَة الحَيارى والخائِفين؛ ويَلْتقي الشاعرُ هنا فـي نظرته لليل مع الشاعرِ محمَّد يوسف مقلّد فـي مَفاصِلَ عَديدة:
الليلُ فـي الريفِ غَيْرُ الليلِ فـي الـمُدُنِ
فافتحْ ذِراعَيْكَ للأَرْيافِ واحْتَضنِ
واستقبلِ الليلَ فيها إنَّه مَلَكٌ
ضافـي الجَناحَيْن يُغْري العَيْنَ بالوَسَنِ
كأنَّه فيلسوفٌ مُطْرِقٌ عَجبًا
ممَّا يَرى فـي حياةِ النَّاسِ من دَرنِ
أو شاعرٌ عَبْقريُّ الفكرِ مُنْغمِرٌ
فـي لجَّةِ الوَحْي لا يَدْري عن الزمنِ
أو خاطرٌ فـي ضميرٍ باتَ منفصلًا
بطُهرِه ومَزاياه عن الإِحَنِ
أو عاشقٌ غارِقٌ فـي حبِّ فاتنةٍ
فليسَ يَعْنيه شيءٌ كانَ أو يكنِ
صمتٌ يُحلِّقُ بالأرواح فـي أفقٍ
من السُّكونِ ثريٍّ بالجمالِ غَنِي
ويفجِّر الأرقُ فـي ليلِ جمال مُرْسي كَوامِنَ نفسه، وبَواعثَ أفكارٍ متراميَة ومتباعدةً، يَسْتلهما من هنا وهناك، ويرسمها كلماتٍ وجملًا وعِبارات، يطوفُ بها طيفٌ غامرٌ من الخيال. الليلُ عندَ الشاعر خَيمةٌ شتويَّةً؛ فالشتاءُ يحجبُ النجومَ ويأتـي بالغيوم، فيبدو النهارُ مُسْتَلبًا من الليل الذي يمنحُه بعضَ عتمته، فلا ينفكُّ منها:
أَرَقٌ، أَرَقْ
الليلُ يسكُنُ خَيمةً شتويَّةً
رسَمَت ملامحَها الكواكِبُ والنُّجومُ
وثبَّتت أَوتادَها فـي الأَرضِ أَرسانُ الأَرَقْ
مُتأهِّبًا للنَّومِ،
أَرخى فوقَ عَينِ الكونِ سِترًا أَسوَدا
وعلى بِساطِ الأرضِ نامَ مُمَدَّدا
نظَرَتْ إلى الأُفْقِ البعيدِ عُيونُهُ
هوَ لا يكادُ يرى يَدَيهِ
وليسَ يسمعُ فـي الفضا إلاَّ الصَّدى
أَحلامُهُ ماتَت على شَفَةِ السؤالِ
تنازَعَتها وحشةٌ،
ونُيوبُ ذئبٍ بربرِيٍّ
لم يزل يَطأُ الجِراحَ، النَّهرَ،
ألعابَ الصِّغارِ، الوَردَ،
آياتِ الكِتابِ، منازِلَ الشُّرفاءِ،
مكتبةً
بكُلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ زَخَرَت،
وحِبرًا داعَبَت قطراتُهُ وجهَ الوَرقْ
إذًا، فالليلُ عندَ الشعراءِ مادَّةٌ ثريَّة لإعمالِ الفِكْر، وفكِّ أَسْرِ الخيال، والإبحار فـي عالمٍ من الصَّمْت الغنيّ بالكلام وأُمنـياتِ البَوْح والتَّعْبير. وقد قاربَ أهلُ الأدب هذا النُّسُكَ السَّماوي مقارباتٍ مختلفة، وأدَّوا إليه فُروضَه على غير مَنْحى، فأَجادوا وأَبْدعوا، وزرعوا مَرابعَ الأدبِ ورياضَ الشعر بالكثيرِ من تَجلِّياته ومَكْنوناتِه.
وسيَبقَى الليلُ مُلهِمًا لكلِّ شاعرٍ وكاتب وأديب؛ وستَبقَى علاقةُ مُعْظمِهم معه علاقةَ ودٍّ وأُنْس وصَداقَة، مع عتمتِه ونجومِه وقمره وبراءته، يَتَّخذونه سِتارًا لما يَعْتلجُ فـي صدورهم، فيُفْضون إليه بكَوامن أنفسهم، فيَحْفظ أسرارَهم ويَكْتم شَكْواهم. وأقول فـي ذلك:
ما لـي مَعَ اللَّيْلِ جَفاءُ
حَوْلـي نُجومٌ أَصْدِقاءُ
فـي ظلِّه أَلْقَى وَفاءً
حَسْبي مِنَ الخِلِّ الوَفاءُ
أُخْفِي بهِ أَسْرارَ نَفْسِي
والسِّرُّ يَحْميهِ الخَفاءُ

