بعد العودة من دير مارروكز والاستمتاع بالنظر لبيروت العزة والإباء ، بيروت الجمال والبهاء ، بيروت الجميلات والفن، بيروت الإبداع الإلهي ، بيروت الثقافة والحرية ... السكينة وطمأنينة القلب التي أسرت كلي في دير مارروكز ، عدنا إلى الدكوانة لم أكن أعلم إلى أين سنتجه غداً ، وسهرت ليلي أتأمل تلك الرحلة التي مرت أسرع من البرق والأيام التي تمر من رحلتي واقتراب موعد العودة لعمان ، هذا الموعد الذي صدقا تمنيت الموت قبل أن يأتي.
حل المساء ، أتى موعد الدخول إلى غرفتي وتأمل النافذة والنور الذي ينبعث إليّ من خلالها، قبل اللجوء للسرير ولتلك النافذة ، أرغمني قريني أن أهبط للشارع، ولا أدري كيف ناديت إنجيليا واستأذنت منها بالخروج ، توصيني أن لا أتأخر ، أنزل للشارع ، أتجول فيه ، أصل الجسر المعلق ، أتأمله وما يمر فوقه من مركبات ، أتساءل هل تنفث هذه المركبات دخاناً أم عطراً يفوح حيث تعبر؟
أدلف إلى السوبر ماركت ، تجلس به امرأة سمينة ، نصف صدرها عار ، تشعل سيجارتها وتحاسب الزبون فقط ، وقفت أمامها ، كيف لي أن اسمع صوتها ، يراودني إحساس بأن صوتها سيكون ضخماً بضخامتها، طلبتها السجائر سألتني عن صنفها، فأجبت ، ربما لو لم تكن بهذه الضخامة لكانت مطربة .
الشمس ساحرة وهي تأوي لبيتها ، لحضن البحر ، والبحر مجنون وهو يحتضنها ، يسرح شعرها يخفف من وهجها ، والبحر ماجن إذ يقبلها ، فيبدو خجلها واضحاً على خد السماء.
أقف هناك ... حسناء تطل من أحد المفترقات وكأن الشمس أشرقت من جديد ... يا الله عل تشرق الشمس .. في وقت غروبها أو استراحتها ... يا الله من هذه... ربما هي لونا ... احست بالبرد الذي يسكنني ... ويلف روحي .. فحضرت لتمنحني بعضا من دفئها ... يا الله ما اصابني .. ساذهب اليها ... سأمارس جنوني كما مارس البحر جنونه مع الشمس .
أعود للبيت بعد التعب ، أدخل غرفتي من جديد ، تأتي القهوة الرائعة ، وتحضر الشكولاتة، نتبادل أطراف الحديث ،وما كتبت وما هلوس به قلمي ، سجائري تأبى الانطفاء ، البيرة تحضر في الموعد ، أنادي النوم فلا يستجيب،تتركني إنجيليا بعد منتصف الليل لأغفو ولو قليلاً، أحاول وأحاول ولكني أفشل، في حوالي الثامنة صباحاً تحضر القهوة لأرتشفها كعادتي على مهل ، أدخن وأدخن وقهوتي ما زالت على حالها ، أراها وقد حلت بها البركة ، بعد حوالي الساعة من إحضار القهوة تناديني إنجيليا: أن هيا ، لنتناول إفطارنا ونخرج.
أتناول قهوتي دفعة واحدة ، أخرج للحمامأغتسل من تلك الأفكار التي راودتني، أغتسل من عطر زارني في أحلام اليقظة التي كانت تداعبني ، أحلق ذقني ، استبدل ملابسي،أخرج لتناول الإفطار.
للعلم الإفطار عادة غريبة علي لم أتناولها إلا في بيروت إذ فرضت علي هنا.
تستأذن إنجيليا ، غابت لفترة قصيرة ، نادت هيا لنخرج ، إلى أين ؟
دعك من الأسئلة ، اليوم سنذهب للسحر والفتنة الإلهية ، سنرى معجزة الله في الكون ، وكيف أبدع برسم ما سنرى .
- إلى أين يا إنجيليا سنذهب فكل لبنان ساحر بكل ما فيه.
- لا محمد ، اليوم سنذهب لمكان تجلى فيه إعجاز الإله بكل شيء.
أصعد إلى المركبة برفقة إنجي ، ونبدأ رحلتنا ، تأبى إنجيليا أن تخبرني إلى أين نتجه ؟ نأتي نفس الطريق التي ذهبنا بها إلى دير مارروكز، نتجاوزه ، تتوه إنجيليا عن الطريق ، تضطر للوقوف والسؤال عن الطريق المؤدي إلى جعيتا ، لا أدري سر الفرحة التي سكنتني عندما سمعت اسم هذا المكان ، هنا أخرجت هاتفي وكتبت على صفحتي إنني في طريقي إلى (( جعيتا )) ، ليأتي الرد من صديقتي الرائعة المذهلة الجمال والرقة ، الأنثى إلي تغار إن ذكرتها الإناث ، جاء ردها ، هناك سألتقي لونا ، بقدر ما كان شوقي للقائها، شوقي لأن أغرق في عينيها اللتين غازلتهما عبر العالم الافتراضي، بقدر الخوف الذي سكن روحي لدرجة أني دعوت الله أن لا نلتقي .
منذ أن أخبرتني بحضورها إلى جعيتا وأنا أرتجف ، لماذا لا أدري ؟ربما خشيت من شيء ما لا أعرف كنهه.
دلنا أحد المارة على الطريق ، دخلنا إلى حيث تقع جعيتا ، الموقع ساحربكل ما فيه ، أشجار كثيفة تقع بالجهة المقابلة للمغارة ، صوت خرير الماء يأتيك كموسيقى تعزفها أنامل الملائكة على وتر الأرض الطيبة؛ لتطرب الطبيعة والناس ، ليعود طائر الفينيق هنا ويحلق في فضاءاتي .
الناس هنا بألوانهم وألسنتهم المختلفة يتجولون في الساحة الرئيسية ، أنسى المغارة وما فيها ، وأتابع الحوريات اللاتي يتجولن هنا ، إنجي ببراءتها ، رأيتها طفلة مشاغبة عفوية بحركتهاضحكها تعاملها ، وإنجيليا اختفت هناك ، قليل من الوقت ،عادت وبيدها التذاكر ،نصعد في العربة الأولى للتلفريك حيث يوصلنا للمغارة ، الآن أنا منفصل عن العالم ، أنا فقط بحضرة الملائكة ، بحضرة إنجي وأمها ، أنا الآن في ملكوت آخر ، ملكوت يملؤه الفرح ،إنجي وأمها يتكلمن معي كالعادة بصوت منخفض ، فجأة أحني رأسي للأسفل خوفاً لأني توقعت أن العربة سترتطم بعمود الكهرباء .
هبطنا من عربة التلفريك وإنجي تضحك وتضحك ، سألتها عن سر ضحكها ، فقالت : أضحك لخوفك وانحنائك ، ضحكنا على الموقف ،عبرنا البوابة وكان التفتيش ، أخذ الموظف هواتفنا ، وضعها بخزانة خلفه وناولنا مفاتيح الخزانة ، وما أن دلفت إلى المغارة حتى خررت ساجداً لعظمة صنع الله ، جعيتا آية من آيات الله وواحدة من معجزاته ، كنت أتساءل بيني وبيني, بأي مزاج كان الرب وهو يرسم لوحة جعيتا ، وهو يشكلها صواعد وهوابط والماء يجري من تحتك ،هنا الهوابط والصواعد كلها تشكل لوحة تنم عن تجلي الإله وهو يرسمها .
كنا نسير خلال ممر طويل وأنا أسبح الله لعظمة صنعه وألوم اللبنانيين والعرب الذين تقاعسوا عن ترشيح جعيتا كواحدة من عجائب الدنيا، أي أهرامات وأي بتراء ، وأي تمثال للحرية ، وأي سور عظيم يتحدثون عنه فكلها من صنع البشر ، هنا يتجلى السحر الإلهي ، وهنا فقط تجد الآية الكبرى التي تدلك على الله حتى وان كنت ملحداً.
كنت أسمع صوتاً يجلجل بداخلي ، كنت أسمع المنحوتات تناجي روحي ، تقول وقطرات المياه تهبط من سقفها لتطهر العابرين إليها ، لرحمها ، ليولدوا من جديد ،انقشني حرفاً بنبض قلبك ، أو اكتبني قصيدة تغنيها روحك فتطرب الملائكة، تعال لرحمي؛ لألدك ابناً مختلفاً، لأجعلك صاعداً أو هابطاً، تعال أشكلك كما أشتهي، لأجعل منك أدونيس ، أغمض عينك؛ لترى كيف أعيدك من الرماد، لتكون بشراً برفقة الملائكة ، بشرا عمدته جعيتا ، أعيدك من الرماد ملاكاً مجنوناً، وأهبك رسالتي وصليبي لتكون رسولي في هذه الدنيا.
القلب يصرخ غرحا .. والروح تدندن لبيروت ... للونا التي وهبتني لونا وانجيليا.. وانجي وأبو نجيب .
الجو حار ورطب .. وانا كلي يرتعش .. لماذا .. لا أدري .. أسال نفسي .. لا تجيب .. اتمنى لو مسني جنون البحر حين احتضنته الشمس.
يتبع
*****
من كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة الصادر عن دار الغاية للنشر والتوزيع 2018

