الاّسرة - - وخاصرة التفاح ..
رواية القاص محمود جاسم عثمان النعيمى
الناقد : عبد الهادى الزعر
------------------------------------------
تبدأ الرواية بشطحات فلسفية جمة متسائلةً ؛ هل الانسان مجبر فى افعاله ام مخير ؟ وما الفارق بين الجبرية والحتمية ؟ فالفاعل ان شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل وهو مخير فيما يعلم ومسير فيما لا يعلم -
ثم ينتقل بذكاء وقاد الى الرواية ومتونها طارحا الكثير من التساؤلات حول صناعتها ونسيجها و كيفية رسم معالم الشخوص وأبعادهم وصفاتهم ومزاياهم العقلية والبدنية -
هل يتركهم يتخبطون عشوائيا فى خضم يمٍ مائج من الاحداث والتصرفات بلا رقيب ؟ أم يقف ورائهم ينظر اليهم من طرف خفى ؟ يقوّم هذا وينهر ذاك وربما يطرد من مملكته السردية ماشاء من الطفيليين الذين لا يستحقون البقاء فالروائى الحاذق " أنانى بإمتياز" يحب أحد أبطاله فيسبغ عليه ماشاء من النعوت الناعمة والصفات الرقيقة كما أنه يصب جام غضبه وعنفه اللامحدود على اّخر ناعتاً إياه بأفحش الصفات !
فمدارس النقد الحديثة تيقنت أن لاحدود ولاتخوم تعيق السرد فكل شىء مباح ولكن بحدود المنطق والمقبول
- - - - - - - - - -
لا زالت أتذكر ذلك القاص التونسى أثناء زوبعة الربيع العربى الذى لم يترك لنا سوى خريفاً أجرداً فالشوارع مغلقة والجيش والشرطة فى أقصى درجات الأستنفار والجماهير هائجة والرئيس بن على مع عائلته قد ألتجىء الى السعودية خائفاً من بطش الجماهير -
ولكن قاصنا يرى أبن خلدون صاحب المقدمة المشهورة من خلال تمثاله وقد نزع عمامته يفتش فى ثناياها عن القمل الذى عشعش فيها وقد ترك دواته وقراطيسه تلهو بها الريح ؟!
فالقاصون كل وله نظرته وتفسيراته للأمور -
تلك فلسفة الاستنطاق والحفر أتاحت بجدارة هيمنة هندسة القص الحداثى ؛ فسار عليها كتابنا الأفاضل بكل ثقةٍ وبنجاح جازم وذلك لأستيعابهم وإحاطتهم بما تتطلبه اللعبة من ذكاء وبعد نظر وفطنة
فسردياتنا منذ التغيير والى الساعة بلغت سيعمائة بين الخارج والداخل معظمها فى موضع ترحيب وبعضها نالت جوائز عالمية مرموقة -
قرأت مرة قصة قصيرة يحتج أحد أبطالها وكان عنيداً مشاكساً غير منضبط يقف بوجه المؤلف ساخطاً متبرماً قائلا له :
أننى برىء من كل التهم التى لصقتها بىّ ؛ أشعر بالخيبة والظلم والأجحاف ؟ أنك تستغل طيبتى حيث سخرتنى لما تشتهى وجعلتنى مطية لأهوائك ونزواتك وطيشك الذى لا نهاية له ؟! فأمامك خياران لاثالث لهما أما أن ترسم أبعاد شخصيتى بتعقل كما أنا وبما يرضينى وأما تتركنى لحالى !
-- --- --- --- -- -- -- - - - -- -- - - -- - - -
ورواية خاصرة التفاح تتراوح بين ( السيرة والأرنخة ) تنطلق خطواتها من (بانقيا ) مسقط رأس السارد العليم وتاريخها من منتصف القرن العشرين نراه يجول بين البراق والحنانة والمشراق والحويش ثم ينعطف شرقاً نحو شارع الصادق ودورة الصحن الشريف ذاكراً أشهر مكتبات ذلك العهد وسوقها الكبيروتجارها وبضائعها مسلطاً الضوء على أقتصاد النجف كما وصفها شاعرها الصافى :
(واردات بلدتى جنائز - - وصادرات بلدتى عمائم ) وكيف تودع النعوش من باب الطوسى بعد مراسيم الزيارة وصلاة الجنازة الى مثواها الأخير
فى رحلة صاخبة قوامها التناقض والأسر " لم نذق فيها طعم التفاح " يسيح بنا بصيغة -- السرد المباشر -- بين مرافىء التاريخ المعاصر من ثورة تموز 1958 ومفجريها وكيف دب الخلاف بينهم بعد القضاء على الملكية فاتحةً الباب على مصراعيه لأحداثٍ لم يدركها الشعب من ذى قبل ثم تنمو الحكاية سائرةً الهوينا بوصف مسهب وبيضة الميزان ( ماهروعلاقته المرتقبة بهناء ) وسفرته الى بغداد فى خطوات وصفية رشيقة تنم عن علم مسبق بقواعد اللعبة السردية -
فتاريخ العراق ضاج بالمتناقضات منها أربعة قرون عجاف قضاها تابعاً لسلطان بتى عثمان ليس له سوى تقديم ( الدية ) ثم دخول بريطانيا مستعمراً جديداً لا يعرف سوى الأستحواذ والتكبيل وأستمرت الصحائف سوداء مكفهرة :من بكر صدقى وإنقلابه الذى لم يكتب له النجاح - الى العبديّن كريم وسلام والبعث وصدام وحروبه العبثية ثم القطار الأمريكى البشع !
الجميل فى الأمر ذلك التماهى ضمن لعبة السرد مع المدارس الفنية كالدأدائية والسريالية ولوحات فنانيها التى ملئت الاّفاق ثم التحول الى الأطباء الأدباء : شيلر -سومرت موم - تشيخوف - والأيرلندى كودان دويل وأصطناعه لشخصية شارلك هولمز الشهيرة ثم التحول للأطباء العرب الأدباء ك أبن رشد - ابن سينا - أبن حزم - الكندى وكيف مارسوا الفقه ومزجوا الفلسفة بالتاريخ -
مما ينم أن قاصنا محمود جاسم عثمان يكتب عن وعى ودراية فائقتين بالتاريخ المعاصر وماقبله -
وعرج على الثورة الفرنسية وكيف أكلت أبنائها بعد الخلاف بين الجاكوبوبين والجورودين بعد سقوط الباستيل بينما روبسبير خطيب الثورة ومفوهها ضلت عبارته ترن فى اّذان الزمن ( قل لسيدك لويس الرابع عشر أن الشعب قال كلمته وكفى ) ثم ذهب هو وأصدقائه طعماً للمقصلة سيئة الذكر-
كما أحالنى السرد الثرى الى البلاشفة والمناشفة الروس منذ عام 1905 وما تلاه -
هذا النوع من الأستهلالات درج عليه كبار القصاصين العالميين أمثال شولوخوف فى الدون الهادىء ودستوفسكى فى الأخوة كرامزوف ونجيب محفوظ فى ثلاثيته المشهورة كما أن قاصنا العراقى النابه عبد الخالق الركابى أستعان به بالأخص برواية ( مالم تمسسه النار )
الحاذقون الراجحون لا يتركون صغيرةً ولا كبيرة إلا ودونوها فى قصصهم ليجعلوا المتلقى شريكاً فاعلاً وشاهداً على الأحداث ؟!
النص الجيد يخلق نقاداً جيدين
----------------------------
عائلتان واحدة تسكن النجف مدينة تتسور بالتحفظ شبه المغلق ومحاطة بالقدسية التامة والثانية فى بغداد المنفتحة بلا حدود تصطدم أرادة العائلتين كل فى أتجاه ترتضيه فالمؤلف صاحب دربة وأفق واسع يدخل من باب الخلاف ذاك ويعممه على أحداث البلد برمته مستعيناً بصراع القوى وأختلاف الأرادات فالعائلة أصغر منظومة أجتماعية وهى اللبنة الأولى للتكوين الجمعى وبما أن العراقيين من أكثر شعوب الأرض أختلافاً وأفتراقاً وتبايناً !! أنعكس ذاك على صناع السياسة وماسكى دفة الحكم والذى أحدث شرخاً لايمكن ردئه وما الحروب المتلاحقة وخساراتنا الدائمة وخيباتنا المتوارثة إلا بسبب ضعف الطبقة الوسطى وضياع منهجية القيادة الأصلح وتمسك كل طرف بما يريده بلا نقصان ولكوننا أمة تريد الكثير ولا تعطى إلا القليل القليل وكما أن أفرادها يطمحون بأعلى المراتب فى الحياة حتى لو لم يمتلك أحدهم مايؤهله لذلك -
تلك مأساتنا الأجتماعية الراكزة والتى كتب عنها بإسهاب د-- على الوردى فى لمحات أجتماعية من تاريخ العراق الحديث وبعض كتبه الأخرى فأننا لا نتعظ من تجارب الماضى ولنا القابلية على إعادة الخطأ نفسه بوتائر أكثر سلبية وشؤم وكما يلوح لنا هذه الأيام فالشعب ومطاليبه بوادٍ والحكام بوادٍ اّخر ؟!
أحالنى هذا النمط السردى الممتع الى تفكيك الاتحاد السوفيتى فى عام 1991زمن غرابتشوف وكيف ألتجئت قيادات الشعب الى الأحزاب القومية السابقة وأعلاء شأن ( ذوات السحنة الحمراء ) وهم جذور روسيا القديمة لكونها واعية ولا تريد للبلد أن ينهار بينما أمريكا فتحت أبواب الأحزاب بعد 2003 ( بحجة الديمقراطية وهى زائفة أصلاً ) وأمسى عددها أكثر من ثلاثمائة كلها تريد الرئاسة والمال وهذه سابقة فى تاريخ العراق لم تحدث منذ تأسس الحكومة فى 1921 وإذا لم يساعدها الحظ بطرق شريفة ( عن طريق الصندوق الإنتخابى المشكوك به أصلاً ) فأنها تلجىء لمنطق المليشيات وكسر الارادات والأعناق والأذرع بقوة السلاح بطرق التفخيخ والتفجيرات والأغتيالات حسب مقولة طيب الذكر دريد لحام ( كلمن حارتو إلو )
ملاحظة : لمحمود جاسم النعيمى : حى السعد وما أنكشف من حجر الصوان -
عبدالهادي الزعر
ناقد من العراق
