-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

شيطان كسول ... قصة : ابتهال الخياط - العراق


شيطان كسول 
... قصة : ابتهال الخياط - العراق 

في مدينة أعرفها جيدا وقد فقدت أسمها حين تنازع فيها سكانها من بني الإنسان وبني الشيطان، فالإنسان أراد تسميتها "طين"والشيطان أراد تسميتها "نار".
ما استطاع الحكماء أن يوفقوا بينهم فتركوها بلا عنوان.
هكذا سأبدأ الحكاية.
المدينة لها دستور خاص ففي كل دار مكان للاثنين .كانت الأرض للأنسان وكان السقف للشيطان، ولاتعدي بينهما فأعتاد الشياطين والتزموا الصمت وتركوا الأمور في النهار للإنسان ، والليل لهم يتحركون فهم مجرد مارج من نار وحتى بلا دخان.. مسالمون طيبون وعن الأديان بعيدون فهم علمانيون بعد ماجرى بينهم من حروب حطمت قلاعهم وكل الحصون فصاروا حفاة يعيشون بين الناس بلا ملوك ولا دول فهم قد فقدوا أصولهم فلا إنتماء لهم لأمم فكانوا بحق مشتتون .
دخل المدينة مجموعة رجال يحملون قراطيس ، رآهم أحد الشياطين فأخذ يعدُّهم وكانوا مئة متشابهون، أستغرب من جلوسهم بدوائر عند مدخل المدينة، وصوت تراتيلهم القوية،كان الوقت ليل والناس نيام، ركض مسرعا الى أهله ودعاهم للحضور فكانوا كلهم هناك مستمعون .
قال شيطان عجوز: إن َّ هذا عارض خير ياجماعة.
أجابه آخر: ماتقصد ياكبير؟
الكبير: أظنكم لم تفهموا مايقولون .
انتهى الرجال من التراتيل ووقفوا صفاً صفاً وبدأوا برمي العمائم هنا وهناك ، ضحك الشيطان العجوز كثيرا وقهقه ورفع عمامة من على الأرض ولبسها وهكذا فعل الاخرون ، ابتسم الرجال المئة وقالوا: إنكم الان بأمرنا تعملون، أنتم خدمنا وكلكم مأمورون. ستجعلون الأمور تختلط ويضيع كلام الصدق ويحل الكذب والهرج والمرج مكان العقل والصدق والناس يعينوكم فهم بلا قلوب، وسيقتلون بسرعة كل ذي عقل ولب وحين ينتهي الله فيهم وينسوه سندخل معكم وننصفكم ونقولها بكل صدق نسمي المدينة بإسم النار ونضيف لها كلمة الدم، هكذا سيرسو العدل، لابد للحكم أن يعتدل، ولا عدل إلا بالقتل .. وبه نحل كل مشكل..فكيف تكون المدينة بلا إسم ؟ 
إنه أول الغيث،اتفقنا أيها الشياطين الأهل؟
فرح الشياطين وقالوا بصوت جلل: 
نعم وأجل وبلى نحن معكم سنجعل كل صعب سهل.
وهكذا يا سادة نزلت الشياطين من السقوف و افترشت الأرض وشاركت الإنس الأكل والشرب والفراش والأهل ونسي الجميع العقل حتى نسى الشياطين أنهم مارج من نار وصاروا يتنعمون بالخمر والنساء والأكل!!
ضاع النهار والليل، فصار الطفل يزجر أباه وأمه تحثه على القتل، والبنت تجاهر بالزنا وتأتي أهلها بالنغل.
هنا اكتملت الخطة وتحققت بالفعل ودخل الرجال المئة بكبرياء و اعتلوا الرقاب وحكموا الكل واعطوا الشياطين الوزارات ومكنوهم من الأمر .
اتسعت دوائر الموت والهرج والمرج في كل مكان ورائحة الجيفة تصاعدت وأعمت وأصمت وأبكت الناس ككل.
كان على الطرف الآخر من المدينة تلة عليها دار واحدة لم يسمع فيها أهلها مماحصل في أولها ، كان شيطانها كسولا ومازال معلقا في السقف وناسها يفترشون الأرض، خرج منها شاب ينتظر بزوغ الفجر، التفت صوب المدينة فرأى مشاعل نار تتحرك بكثرة ورائحة كريهة قد وصلت الأنف ، إستغرب ،دخل الى أهله يتحدث فأسترق اليه الشيطان السمع فقال: 
هل أخبركم شيئا يا أهل الدار؟
رفع أهل الدار نظرهم اليه فهي أول مرة ينطق فيها شيطان ويرونه بالفعل.
قال: يكفي أن أقول أن ّ المدينة إسمها
"نار ودم" تمت السيطرة عليها من الرجال المئة أنهم طاعون العصر و استخدموا أهلي الشياطين لتحقيق النصر.
وأنا لايهمني الأمر لأنه في النهاية خسران وذلّ فسأعقد معكم صفقة تتركوني هنا حيث أعيش وأنا سأتدبر الأمر وأُعيد المدينة الى سابق العهد، وحتى أجعلكم تزيدون حكمكم على أهلي الشياطين وتخرجونهم وترمونهم في البحر .
صاح الشاب: موافقون.هيا نفذ الأمر ولك مني أكثر من السقف سأبني لك غرفة خاصة و أزينها لك بكل ماتتمنى وتأمل.
تململ الشيطان و أنطلق نحو تنفيذ ماقرر .
كان يتنقل بين الوجوه وكأنه يبحث عن شخص محدد، وجده فوكزه بأظفره فالتفت الآخر وعندما رآه استبشر قائلا :هيه أين كنت تعال عش معنا في جنة الخلد لقد صرنا حكاما ووزراء نملك كل شيء ربما تقريبا نحن بشر.
قال: ياغبي كيف تكون بشرا وأنت شيطان؟ لقد خلقك ربك من مارج من نار أما الإنسان فمن طين .
قال: لكننا الان نحكم و نقرر.
أجابه: سينزل المطر عن قريب ،وصلني الخبر الآن بنزول مطر خاص بكم يُطفئ جذوتكم ولن يبقى لكم أثر في هذه المدينة ، ستفقدون وجودكم كله ويزول عن الناس مافعلتم بهم ويقتلون المئة.
قال : أحقا ماتقول؟ 
أجابه: عليكم قلب كل شيء والعودة الى السقوف والرضى بالمعروف.هيا أخبر العجوز الخرف شيطانكم المجنون وعودوا كما كنتم وأحرقوا المئة بناركم حتى يرضى عنكم الناس وتعود الحياة الى ماكان .
وصل الخبر بسرعة،وانتفضت النار في الشياطين وخلعوا العمائم وأحرقوا المئة وجففوا المستنقعات ودفنوا الجثث..نظفوا المكان وتلفتوا يبحثون عن بني الإنسان.
كان الكل واجم، مماحلّ بالأعناق والأعراض وفساد الأرزاق، سار الجميع بحزن نحو النهر واغترفوا جميعا بالأواني من ماء النهر وصاروا يرمون الشياطين به حتى مات منهم الكثير وهرب الأكثر،وجلس الكل يبكون مما صار وأكثر.
عاد الشيطان حيث الدار البعيد وعاش في غرفة جديدة وكأنه في عيد.
ياللشياطين تعيش بلا إنتماء و أينما يكون لها الراحة يكون لها وطن وأهل.
وعادت المدينة الى ماكانت ولكن لا شياطين في السقوف، فعهد العقول أن لاتُلذغ مرتين فمهما كانت الأفاعي مقتدرة فلها دائما صياد قوي وعقله رصين، وفي هذه المدينةكان الشيطان هو المفتاح لحل مشاكل العامة ويجلس بعدها الكل مرتاح و ربما تمحو الأيام كل حزن عليها حلّْ.

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية