مقال بعنوان: واقع افتراضي:
إن الواقع الافتراضي أو ما يسميه الباحث القواقزة هنا بلغته البسيطة The Virtual World (العالم الافتراضي)، أي بمعنى آخر بيئة غير حقيقية تمامًا، تحتوي على مكونات افتراضية قريبة أو غير قريبة من الحقيقة،أو المحاكاة من وراء الواقع الحقيقي الذي نعيشه.
لذا، فالعالم الافتراضي يبدو وكأنه حياة ثانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تكمن بالمحاكاة الافتراضية الإلكترونية تعكس سلوكياتنا وعلاقاتنا بالمجتمع من حولنا.
فقد بات العالم الافتراضي وأخص بالذكر هنا شبكات التواصل الاجتماعي المتعددة جزءًا أساسيًا لا يتجزأ من طقوس البشر اليومية، ولا يمكن الاستغناء عنها، وفي هذه الحالة نجد أنها سلاح ذو حدين؛ فيمكن لنا الاستفادة منها على أكبر قدر ممكن من الإيجابيات الذي يحمله لنا هذا العالم، والابتعاد عما تؤديه من سلبيات.
ويرى الباحث والناقد القواقزة أن عالمنا اليوم غارق جدًا في الإشاعات والمظاهر الشخصية والشعارات والضجيج في مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار، والبودكاست وموجز الفيديو، فأصبح من الصعب بشكل متزايد تحديد ما هو مناسب لنا كأشخاص وما يمكن تجاهله بأمان، لكن يبدو لي أن هذه المعضلة تتلاشى في عالم مفرط في الشخصية ذاتها، فالعالم صار افتراضيًا أكثر من اللازم.
فكم تمنيتُ أن أجد الناس الموجودة في هذا العالم الافتراضي هم أنفسهم بلحمهم وشحمهم، وفكرهم في الحياة الواقعية الحقيقية _ إلا ما رحم ربي_ فتجد حجم الورع وكمية الأخلاق وجرعة المثاليات والحث على الفضيلة وبر الوالدين وصلة الرحم ... ولكن الواقع يا سادة غير ذلك نهائيا.
فخذ ما شئت من الحكم والتحليل السياسي والآراء السديدة والأمثال، والأغلب منا رأيه هو الصحيح، فكل واحد له صفحة هو أجدى بها، ولكن لا ينبغي لنا أن نلبس ثوب الحكمة والتسامح والإيثار وفي الواقع غير ذلك نهائيا، هذا هو الواقع الافتراضي المتورم، فعلى ما يبدو أننا نعرف بعضنا جيدا.
ولا ينكر الباحث هنا أن التواصل الافتراضي هو قيمة مضافة للعلاقات الاجتماعية، ويساهم في تعميق علاقاتنا، ولكن الإفراط كما هو العادة عند أغلب البشر التي نقع بها في الكثير من المعطيات ستكون بديلًا عن الروح والنفس والوجدان المتكامل مع الأطراف الأخرى.
من هذا المنطلق فإن التواجد في المجتمعات الافتراضية يجعلنا _ إن أردنا استخدامه بالشكل السليم_ نشعر وكأننا في جزء آخر من العالم الملموس، ويسمح لنا بتكوين مجتمعات بأكملها في مشاركة الآخرين بأفراحهم وأحزانهم. فهي عوالم تركيبية تحتوي على صور متصلة لأناس حقيقين، تمكّننا من قضاء بعض الوقت معهم، بما في ذلك الاهتمامات الخاصة أو الأهداف التعليمية، أو لمجرد الهروب من الحياة العادية.
د. علي محمد الطالب قواقزة/ الأردن
