لا مكان للتاريخ في القصة القصيرة جدا / بقلم حيدر الأديب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة القصيرة جدا هي سردية صغرى مسكونة بالرمز والذاتية والإيحاء والتوتر لا تنمو فيها الشخصية ولا الحدث لأنها منهوبة البنية بحصص نظرا لأركانها وشرائطها المدعومة بهاجس استعاري يستثمر جهد العوالم الموازية لها من خبر وشذرة وقصيدة نثر وومضة وطرفة ونادرة ومفارقة وسخرية
هذا التكوين لها وتقنيات الاستيراد ابتعد بها عن معالجة التاريخ بعكس الرواية التي تمتلك مسافة اقناعية وهي تحاول خلخلة مقاصد التاريخ بوعي مضاد كما يقول فاضل العزاوي (إن الماضي لا يهم في ضوء الماضي، وإنما يدرك في ضوء الحاضر ... إن الرواية تمتلك حق إمتلاك الماضي)2
تكمن الإشكالية في طبيعة هذا الإدراك الذي يخول الرواية حق الامتلاك ويمنعه من القصة القصيرة جدا فالحدث التاريخي لا يتحول الى واقعة الا بفعل وعي ما وراء سردي يقوم بنقل الحدث من مساحة التسجيل الى مساحة التأويل محولا الحدث الى واقعة والفرق بين الفعل التاريخي كحدث وبينه كواقعه هو انه كحدث منتسب الى أسبابه الموضوعية بينما هو كواقعة منتسب الى مصاديقه المتعددة عند كل قراءة وثانيا ان الموضوع وهو هنا الحدث لا يتحكم في تنظيمه الخاص بل شكل تنظيمه هو الذي يشرط حضوره وشكل تداوله والشكل طبيعة واقعة لا طبيعة حدث / الحدث زمن والواقعة شكل سردي
القصة القصيرة جدا عاجزة عن ذلك وان حاولت فهي محاولة مشوبة بكثير من الغموض والتشويه والعوز الدلالي نظرا الى (ان ما يميز المحكيات جميعها ليس الكم الزمني المودع فيها فهذا الكم لا قيمة له ان ما يمنحها ابعادها الرمزية هو "التلوين " السردي الزمني فيها3
وبطبيعة الحال لا مكان للتلوين السردي في الحصص التي تمنحها القصة القصيرة جدا للحدث لأنها أساسا بناء مفاهيمي مجرد مصنع ادبيا واستعاريا فهي على صلة مع ترسانة المفاهيم لا التفاصيل عن الاحداث والمفاهيم توحد وتعمم وتقلص المسافات بين الظواهر كما يقول سعيد بنكراد بينما تمايز السياقات الثقافية والدينية لكل حكاية هو الشكل السردي المتحقق داخل هذه الحكايات
القصة القصيرة جدا تخلو من النماذج المصاحبة لتداول المضمون التاريخي الا بمقدار شعري أو رمزي وهو غير كاف لتحويله الى عالم مواز يتعاطى مع المتغيرات الجديدة لأن العالم في تغير وتتغير مفاهيمه فكل إحالة خاطئة أو قاصرة سوف تتعرقل امام ازدحام النماذج التي تتكفل بادلجة وتفسير المضامين التاريخية لهذا لا بد من مدى واسع يستغرق التصحيح و التفكيك ومضارعة الخطاب المضاد لنفس الحدث وهذا مل لا تمنحه القصة القصيرة جدا ف( نحن لا نتلقى الأحداث التاريخية كمضمون مباشر بل من خلال نماذج تفسره ودون ذلك يبقى الحدث التاريخي فاقدا امتداده ومردوديته وذاكرته )4
ان حضور التاريخ سرديا يشترط (المناقلة والإزاحة والإبدال)5وهذا متأتي من كونه (فعالية سردية) تجمع بي عرضه الحدثي الموصوف القار في الزمن وضمن قوانينه وبين أنماط فهمه اللاحقة عليه
هل تتمكن القصة القصيرة جدا من حضانة المناقلة والإزاحة والإبدال في إيقاعها المتسارع بسطر او نصف صفحة
عندما نقول انها نوع صعب لا يتأتى لكل أحد فهو نتيجة لهذه الوظائف والمهام وطبيعة المعالجات فهي قاصرة في حد ذاتها عن التاريخ فما بالك في قصور مستعملها باتجاه التاريخ
ثمة سر نكشف عنه هنا هو اننا كبشر دأبنا ان لا نتعامل مع الحدث بكونه ( يقين مفهومي ) بل من خلال كونه ( احتمال سردي ) له استعمالاته الممكنة فنحن لسنا مفاهيما قارة في اذهان الكتب بل نحن استعمالات تتحقق في احداث
مشكلة القصة القصيرة جدا انها تحتفظ بالحدث كيقين مفهومي لا يفرق كونه يقينا مضادا او مرمزا او ذو إحالة شعرية انها تستعيد الحدث في تقلباته الرمزية والشعرية والايحائية بثباته كيقين مفهومي ولا تتحدث عنا كاستعمالات للحدث
أنها لا تجعل من العين غزالا ولكنها توجز نبض الغزال بين طرفك وارتداده بينما الرواية تجعل الغزال يركض في امتداد العين لا في امتداد نبضه
حيدر الأديب
المصادر
ـــــــــــــــــــــــ
• سعيد بنكراد الشرعية وسلطة المتخيل 2/ 3/4
• وسن عبد المنعم / تحولات البنى وتنازع الاتجاهات 1/5

