-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الرصاصة بقلم الأديب عادل المعموري

 الرصاصة 
بقلم الأديب عادل المعموري



إصبعه يلامس زناد بندقيته   ، عيناه المتعبتان تجوسان أرجاء المكان. الشارع خالٍ من أي شيء يثير انتباهه .. البيوت مهدّمة و رائحة الدم والبارود يحملها نسيم مثقل بآهات وأنين مساءات ثكلى . الصمت يطبق على المكان برمته . أتعبه المكوث طويلاً في هذا المكان الضيق ، العثور على هدف متحرّك أصبح شبه مستحيل ، يحتاج إلى قتل أحد ما  يضيفه إلى أعداد من قتلهم .. رائحة أشياء غامضة تصفع أنفه المزكوم ، ربما رائحة الموت  من  تفرض نفسها بقوّة.. من يجرؤ على المرور من ساحته ؟!
سبعة أيام لم يقتل فيها عشرين شخصا بين رجل وامرأة .. هذا العدد لا يرضي الأمير.. يشعر بالقلق ، من تقريع الأمير له 
، تراءت  أمامه صورة شيخه الكبير.. الذي يخشى صرامته وهيبته وبطشه  ..خمّن بادئ الأمر أنه يتوّهم وجوده ،الشيخ يقف بقربه حقيقة  ، يشعر بثقل كفه  على كتفه  :
_ اسمع يابني.. اقتل أي شخص تراه.. لافرق بين مدني وعسكري ، طفل ، شيخ ، امرأة .. لا ترحم منهم أحداً ؟!
يحاول عبثاً طرد شبح الشيخ من ذاكرته .. يتشاغل بكرتونة الطعام التي جلبوها له .. يمَّدُ يده إلى كسرة الخبز ، يغمسها في قطعة الجبن داخل علبة معدنية , يكتفى بلقمتين وينحَّي الطعام جانباً ، لا  شهية له  للأكل . لابد من إرسال الموقف غداً , المطلوب منه عدد لا يقل عن الثلاثين قتيلاً في الأسبوع ، ما الغاية من هذا الرقم ؟
هل هولحسابات فلكية خاصة أم هو رقم كأي عدد آخر.. من أين يأتي بالعشرة الباقية ليكتمل العدد ؟
طفقَ يمسح بدن البندقية بقطعة قماش مهترئة ، شرعَ بتلميع بدنها الخارجي . الملل يأخذ منه مأخذاً .. لا شيء مثير في هذا المكان
.. انتظار ممل يبعث على القرف . تمر ساعات الصباح ثقيلة جدا . شمس آب عكست لهيبها الساخن على رؤوس الأشجار العالية . يتمنى أن ينام قليلاً ، يتوسل النعاس لعله ينعم عليه بساعة واحدة عميقة .. هوّمت عيناه  قليلا، لم ينم منذ ليلتين  .. ألصق مؤخرة رأسه على الجدار .. يحاول أن يغمض عينيه ولو قليلاً   ، بين اليقظة والمنام  .. انتبه  فجأة ، سمعَ صوتاً ناعماً يداعب أذنيه ، على الفور  يلمح طفلة صغيرة ،   بجديلتين تهتزان كبندول ساعة .. تتحركان كلما قفزت ، تحمل بين يديها الصغيرتين دمية ، سمعها تتكلم مع أحد .. دفع  برأسه خارج النافذة الضيقة .. أدركَ أنها تكلم الدمية ولاشيء آخر .. صوّب بندقيته نحوها .. وضعها في دائرة مرقابها،  اصبعه على الزناد ..  قطرات العرق بدت تسح على جبينه ، غشاوة غير متوقعة تجعل الرؤية عليه عسيرة  .. يرى ابنته ترتدي مريلة المدرسة ،   يبتسم ،يرخى أصبعه عن الزناد ، يقطَّب حاجبيه , يتذكَّر كيف حملها بين ذراعيه وهي مضرّجة بالدم ..  لفظت أنفاسها ، قبل أن تصل باب المشفى، أصيبت بشظايا انفجار عبوة ناسفة في باب مدرستها الابتدائية  .. يمسح عينيه بكفه .. ينحني على قنينة الماء الراقدة تحت قدميه، يحتسي  منها قليلاً وينثر الباقي على رأسه ووجهه ..  يرنو نحو الطفلة ،لمحها تقترب من مرمى هدفه بوضوح  ، أصبحت قاب قوسين من نقطة الارتكاز ، يحاول أن يخفض ماسورة بندقيته إنه لايفكر بقتلها ..يتراجع إلى الوراء .. يتراءى له الشيخ مجدَّدا وهو يقول له معنَّفا إياه :
_ اقتلها .. ماذا تنتظر ؟ !
_إنها ابنتي ياشيخ ..
_وإن يكن ...
قرَّب وجهه من الناظور .. وضع اصبعه على الزناد ..هتف _شيخي اعتقني ارجوك ؟
يلتفت إليه  الشيخ بعينين حمراوين :
_اقتلها ...إنها لا تستحق العيش !
_إنها صغيرة ..شيخي  يدي لا تطاوعني.
_عجّل بقتلها كائناً  من تكون ؟
انتظرَ هنيهة ثم ضغط على الزناد مرغماً، أطلق   الرصاصة الأولى نحوها .. لم يصب الهدف ، أطلق الرصاصة الثانية ،صاح مندهشاً  :
_شيء لايُصدّق ! أطلقَ الرصاصة الثالثة والرابعة .. أصابهُ الهلع , توالت عليها الرصاصات تباعاً ، أسقط في يده .. الطفلة مازالت تلعب وتتقافز  هنا وهناك وكأنها لم تسمع صوت الرصاص ولا اصطدام الرصاص في الكتل الكونكريتية المهدمة القريبة منها .. تذكّر قول الشيخ  وهو  يقول له : أنت قناص ماهر .. سأجعلك في مكان مهم ،ستكون قائداً كبيرا ، رميتكَ لا تُخطيء أحداً ، بوركت . انقطعَ الصوت فجأةً .. لم يعد يسمع شيئا،لم يعد يرى أحداً.. تضبَّبت الأشياء في عينيه .. ترنّح جسده ، تخاذلت أعضاؤه ..لم تعد أصابعه تعينه على مسح الدم النازل من جبينه  ، . يشعر الآن بالخواء تماماً .. يود لو أن يتقيأ .. أراد النهوض .. يشعر أن جسده منفصل عنه ..يجاهد عبثا الامساك برتاج النافذة ، يرفع رأسه قليلاً ، ومن خلال  الذي يغمر عينيه .. يراها تقفز هنا وهناك وهي لمَّا تزل تمسك بدميتها .. كأن  لا شيء يعنيها البتة .لم تكن تعلم بقاتل تكوّم تحت النافذة بكل هدوء.

عن محرر المقال

Zeena مجلة ثقافية تعني بالأدب والثقافة والفن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية