-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

دراسة نقدية قدمها الناقد الاستاذ داوود سلمان الشويلي لنصين من المجموعة القصصية (غناء القصب) للقاص مهدي الجابري

 دراسة نقدية جميلة جدا ووقفات ذات إيقاع إبداعي تروق للمتلقي قدمها  الناقد الأستاذ داوود سلمان الشويلي لنصين تصيّدهما من سماء المجموعة القصصية الرائعة(غناء القصب) لزميلنا الأستاذ  مهدي الجابري



 المفارقة في القصة القصيرة جدا في "غناء القصب"

لمهدي الجابري

داوود  سلمان الشويلي 

   من الأمور المسلّم بها في الابداع الأدبي، هو تنوع الكتابة في الفن السردي بين الرواية، والقصة القصيرة، والقصيرة جدا. فأغلب كتاب الرواية، والقصص القصيرة، يكتبون القصة القصيرة جدا، وهذا الأمر جائز لو امتلك السارد الأدوات التي تؤهله لكتابة أي فن سردي. ومن هذا المنطلق نجد المجاميع القصصية التي تصدر حافلة بكلا النوعين من أنواع القصص القصيرة. والقاصّ مهدي الجابري واحد من الذين يكتبون في هذين الفنين السرديين، لهذا نجد مجموعته القصصية الأولى"غناء القصب" تضم كلا النوعين. إذ يضم القسم الثاني من المجموعة "35" نصا من نصوص القاص القصيرة جدا، وقد اخترنا نصين من نصوصه تلك، هما نص "شيطان" ص90، ونص "دهاء" ص92، للوشيجة الموجودة بين موضوعيهما العام، وهو الوشاية، والعمل غير السوي للشخصية الوافدة لمجتمع النصين، ليكونا هذين النصين ميدانا لدراستنا هذه.

***

* نص "شيطان":

((دخل القرية على حين غرة وهي آمنة مستقرة، وشى بينهم، بان خبثه! هاجوا وماجوا. أعلنت العداوة، سُفكت الدماء. قبض الثمن، غاب عن الأنظار.)).

* نص "دهاء":

(("حرك الساكن". حمى وطيسها، أفزعوا النيام، هاجموا، قطعوا البراعم، لم يرعوا، عصفتها رياح السموم: أضرمتها، من بعيد جلس منتشيا يتذوق طعم كأسه.)).

***

- جدول/ 1 يبين تشابه النصين:

نص شيطان نص دهاء

المكان هاديء المكان هاديء

وشى بينهم حرك الساكن

هاجوا وماجوا. أعلنت العداوة، سفكت الدماء أفزعوا النيام،قطعوا البراعم،لم يرعوا، عصفتها رياح السموم، أضرمتها.

قبض الثمن، غاب عن الأنظار جلس منتشيا يتذوق طعم كأسه

 

***

   ان النصين يمتثلان لاشتراطات القصة القصيرة جدا، من حيث حجمها الصغير الذي لا يتعدى الصفحة الواحدة. وقلة شخوصها، إذ تضم شخصية واحدة فضلا على المجتمع الذي تتحرك فيه هذه الشخصية. واللغة الايحائية، والمقتصدة، والسريعة الإيقاع. والروح السردية التي تخبئها بين طيات كلماتها، وجملها. والزمان الذي يقدر من قبل القارئ. والمكان المعلن. والوصف. والمتعة، والفائدة المعرفية. والإدهاش. وأخيرا المفارقة.

***

   والمفارقة هي بنية تعبيرية وتصويرية متنوعة وعديدة على المستويين الدلالي والتركيبي. وهي على نوعين، منها اللفظية، ومنها السياقية، وهي أسلوب تقني لمنح القارىء المتعة الأدبية، والإبداعية.

   لا يمكن أن نفحص المفارقة بالمسطرة الخاصة بالمفارقات، لأن ورود مفارقة واحدة في النص تكفي لذلك.

   هناك احتمال أن تستخدم المفارقة في نوع آخر سردي، والذي يفرق بين هذه الأنواع هو الاشتراطات الأخرى لهذا النوع، أو ذاك، وكذلك، هي التي تحدد هذا النوع السردي.

   في نص "شيطان" تكون المفارقة في " قبض الثمن، غاب عن الأنظار" بينما بداية النص يخبرنا بان هذه الشخصية الوافدة قد "دخل القرية على حين غرة"، وبين أن يكون دخوله "على حين غرة"، فان خروجه يكون منسلا من مجتمع القرية، وغير معروف من قبلهم.

   أما في نص "دهاء" فالمفارقة تكون بين تحريكه لساكن المجتمع، أي إشعال الفتنة بين أفراد مجتمع القرية، وبين جلوسه منتشيا لما فعله.

   ومن الطريف أن يكون النصان خاليين من أداة الربط "الواو" سوى مرتين في النص الأوّل، وذلك لما تمتاز به سرعة النصين من إيقاع سريع.

***

* الحركات السردية:

  كل نص من هذين النصين يضم أربع حركات سردية كما يلي:

- الحركة الأولى: "آمنة مستقرة" ، الوضع الساكن.

- الحركة الثانية: تحرك الشخصية في النصين.

- الحركة الثالثة: قلقلة الناس المؤثر فيهم تلك الشخصية.

- الحركة الرابعة: النتيجة النهائية.

   هذه الحركات الأربعة والتي تكون صفة شبه عامة لكل القصص القصيرة جدا، هي ما يبنى عليه النصين.

***

* الحركة الأولى:

   نجد ناس النصين في هدوء وسكينة، "آمنة مستقرة" ، الوضع الساكن. إذ ان الوضع في كلا النصين هو وضع مستقر لا يشوبه شائبة من حيث استقراره وأمنه المجتمعي.

* الحركة الثانية:

   تحرك الشخصية الوافدة على مجتمعي النصين. في النص الأول قام بالوشاية بين الناس "وشى بينهم". وفي النص الثاني"حرك الساكن"، أي قام بفعل غير مرضي عليه من قبل الناس. إذ تدخّل هذه الشخصية بصورة سلبية في مجتمع النصين أفضى الى وقوع الناس في الفتنة.

* الحركة الثالثة:

   الناس في النصين ينقسمون الى فئتين متناحرتين بسبب تدخل الشخصية الوافدة. في النص الأول "هاجوا وماجوا. أعلنت العداوة، سُفكت الدماء"، وفي النص الثاني "حمى وطيسها، أفزعوا النيام، هاجموا، قطعوا البراعم، لم يرعوا، عصفتها رياح السموم: أضرمتها".

* الحركة الرابعة:

   النتيجة النهائية في النصين هي: قبض الثمن، والغياب عن الأنظار، أو جلوس الشخصية الوافدة منتشيا يتذوق طعم كأسه. وهذه نتيجة فعلية لما كان يحمل مثل تلك الأهداف التي قام بها مثل هذين الشخصيتين الوافدين في زرع الفتنة.

***

   ان الجابري وهو يقدم هذين النصين فهو يقدمهما بنية الانتقاد الابداعي لما يحدث بعد عام 2003 داخل مجتمعاتنا التي تتصف بالهدوء، والسكينة، والأمن، والاستقرار، من خلال القصة القصيرة جدا ذات المنحى الانتقادي المعبر عنه برمزية الشخصية الوافدة على مجتمعي النصين.

   ولو تمعنا جيدا بعنواني النصين، "شيطان" و"دهاء" لوجدنا العنوان الثاني صفة للعنوان الأوّل، إذ ان الدهاء صفة لما يقوم به الشخص الذي يمكن أن نطلق عليه اسم الشيطان، وهو شخصية ذات أصل ديني إلّا انها أصبحت شخصية مجتمعية مشهورة وعلى كافة الأصعدة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية حتى.

***

عن محرر المقال

رولاالعمري

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية