دراسة نقدية مشتركة
لرواية" هبّات ساخنة " للكاتبة المصرية سعاد سليمان
"هبّات ساخنة " رواية أقل ما
يمكن لنا أن نقول عنها، أسمٌ على مسمى!
نعلم بأن لكل إنسان وجهة نظر، ومنها يكمن
اختلاف البشر.
نهاية إسماعيل بادي/ كاتبة عراقية مغتربة
هيثم نافل والي/ قاص وروائي عراقي مغترب
نظن بأن الرواية صنعت من أجل هدف واحد لا
غير، معنى متفرد لا يقبل القسمة على أثنين: حياة المرأة، معاناتها وما يحصل لها عندما
تتخطى منتصف عقدها الرابع بطريقة متميزة، لا يمكن وصفها أو شرحها إلا بقلم أنثى تشرح
بكل جرأة ما يحصل لها وهي تحت وطأة تلك الهبّات الحارة الباردة التي تستعمرها بين الحين
والآخر، ترفعها وتنزلها، تقتلها وتحييها، تعذبها وتريحها، تجعلها تفكر بالانتحار ثم
تعدل عنها بقبول الحياة من أجل الحياة ذاتها.. هكذا هي أساس فكرة بناء الرواية التي
بين أيدينا اليوم للمبدعة" سعاد سليمان " وهي تجعل المتلقي يتابع بشغف ما
تطرحه على الورق الذي كان قبل ذلك حوادث ومواقف تنبض بالألم والشقاء، والرجل هنا آخر
من يعلم بتلك الأشياء!
قبل أن ندخل في مجريات الكتاب نأخذ نصاً
يحمل في بطنه أعباء الذات وتجلياتها بكل شفافية، لننظر كيف صاغته الروائية بهذا الشكل
الجميل العذب وهي تصف حالتها البريئة التي يجهلها الذكر:
" حياتي تشبه هذا المكان الضيق الذي
بالكاد يحتوي جسدي، أنكمش مثل عصفور اصطاده شخص غادر، كل ما حولي مهشم مثل قلبي الذي
علّم الناس الفرح والحب، لكنه انكسر رغماً عني"..
ثم في مقطع آخر ينزف تعاسة أكثر حزناً من
سابقه جاءت فيه:
" لكنه يطوقني في الأحلام، أراني سمكة
ذات ألوان جميلة، يغازلني حوت يحمل وجه آدم، نلعب، أتقافز فوقه، يبتلعني في غفلة، لا
أخاف، أقنع نفسي أنه أدم حبيبي، يلفظني فجأة، يلقي بي إلى ظلمات البحر"..
بعدها تصل، أو تحاول أن تقنع نفسها بأنها
قد وصلت مبتغاها بقولها:
" أخيراً ملكت حريتي، أنفاسي لي وحدي،
لم يعد جسدي خائفاً، بعد ثلاثين عاماً، عرفت نعمة النوم بلا كوابيس، أو قلق، حرة أنا،
ربما ليس تماماً"..
ثم تبدأ في مرحلة أخرى جديدة، تمت لواقع
مجتمعها المظلم الرهيب كالقبو بتناقضات الأنثى اللعوب، تصرخ حسب قناعتها بصوت صارم
فاقد الرنين كصرخة اليائسين، مثل شخص بات عالة على نفسه، تثور ضد واقعها الذي زجت نفسها
فيه وكأنها في زنزانة باردة لا أحد يعبأ بها:
" بئري هو جسدي الذي حمل متاعب ومتاع
البشر، ليس عميقاً كفاية، ولا مهجوراً، أو فارغا، أعرف الحيلة التي تجعله وفق الحد
المطلوب، سخي، لعوب، شبق، مراهق، يعبثون بهذا الجسد الشقي الجميل، أتركه لهم، أملك
وسائلي الخاصة، بصبر ودربة أحمي روحاً أنهكتها الكراهية، دؤوبة أنا على حراسة كراهيتي،
كي لا تنقص مثقال ذرة،.. أكره الحب، أكرهه أكثر من الموت، أكثر من كراهيتي لكل الرجال
الذين وطأوني. بئري هو مستودع لكل العابرين، يلقون ما تنوء به أحمالهم، بئري جديرة
بحمل أسرارهم، خطاياهم، عقدهم وأوهامهم، فهل أنتم ملقون؟"..
جاءت" هبّات ساخنة " بسرد جميل
موفق، يتيح للقارئ معرفة شخصية كاتبتها بسهولة وهذا يحسب لها حتى شعرنا ونحن نقرأ لها
بأنفاسها وهي تلهث وكأنها شاخصة أمامنا تروي لنا مجريات الرواية وتحكي سطورها بعفوية
بالغة البراءة!
فحال لسان الرواية يقول متذمراً، منهكاً،
دون تزوير الحقائق:
تلاحقنا الخيبات حتى في الفرح! هذا ما نستطيع
أن نترجم به رواية" هبّات ساخنة " للمبدعة" سعاد سليمان ".. فالرواية
تستحق بحق هذا الوصف والمعنى الذي من أجله تم دقها على الورق كونها عالم واقعي مؤلم
حد الجرح، وفي نفس الوقت، ساخر حد التهتك، لأنه يضحك علينا، يخرج لنا لسانه وكأنه يبارزنا،
يتحدانا وهو يتمتم بغرور الذي يتبرع بمال غيره: إن كنت تقدر عليّ أغلبني!
لم نكن نعرف الروائية العربية سعاد
سليمان من قبل، لكنها ظهرت فجأة في حياتنا الكتابية كونها فنانة، معدة برامج تلفزيونية
وكاتبة متميزة تجعل القارئ منذ السطور الأولى مسحوراً، مشدوداً، يتلوى، يمتلئ بالقلق
يود الانفجار إن لم يكمل بقية أسطر الرواية!
هكذا تكتب" سعاد سليمان ".. الحبكة، عندها ولع، والشد والحل
صنعة، والدراما تبكي من الضحك لسوداويتها وقهرها وظلمتها وكما يقال، من لا يقدر على
شيء يضحك عليه! هذا ما فعلته الكاتبة. تعرف بالضبط ما عليها وما لها، ما تكتبه وما
تحجم عنه، وحتى هذا الأخير تفضحه هازئة وكأنها تتسلى بلعبة القدر الظالم أبداً..
جريئة في وصفها، متفتحة على فقر وجهل قومها،
وربما حتى على فساد بعضهم الذين يلبسون في النهار جبة الدين، وفي الليل يرمونها، ينزعون
عنهم هيئة الإنسان ليمارسون دور الشيطان! فيقترفون المعصيات التي لا تحصى لإشباع غرائزهم
الدنيئة الحيوانية التي يعبدونها دون الآله واتجاه أقرب الناس إليهم كبناتهم وأولادهم!
عبرت الروائية" سعاد سليمان " حدود الممنوع، فتحت آفاق حرية الرأي، وقول
ما لا يقدر غيرها من بنات جنسها على قوله! فضحت فساد بعضهم دون أن تفسد نسيج عملها
الدرامي، كانت شاطرة في اللسع الذي يقرص، وفي أحيان يلدغ كأفعى سامة دون أن تحدث ضجة
حولها، وهذا في رأينا هو الإبداع في كتابات" سعاد سليمان "..
لم تتلق الجوائز الأدبية اعتباطاً، ولم
تكرم لأسمها، أو قوميتها، أو دينها، أو حتى لونها؛ بل لإبداعها المتميز المثير للجدل
في الأوساط الثقافية الذي خلق من حياة مجتمعها واقع ملموس، موجود، كائن يتنفس، يأكل
ويشرب وينام كما نحن وبكل ما نحمل من تناقضات حياتية جسيمة، ومنها البشعة التي لا يقبلها
دين ولا شرع! وإلا فكيف نترجم نصها هذا إذا لم نقل بأنه إبداع نثري جريء، فصيح غاية
في الروعة والجمال والرشاقة، وفيه من التحليل النفسي والسيكولوجي الكثير، وذلك بقولها:
" هل يجوز الآن بعد ما يمر به جسدي
من تحولات أن أضيف، أن عدم الرغبة، تلاشيها، كان عقاباً مناسباً، عقمي، وأد أمومتي،
ضياع الحب، لم أفهم ولن يفهم أي منكم، معنى أن تضيع رغبتك، ألا تشتاق، أن تهجرك لذة
الاشتهاء، متعة أن تحصل على ما تشتهي، أن يستمتع جسدك بجسد يملآه سعادة، تلك المتعة،
تنسل من أيام حياتنا، لن ندرك أهميتها، جمالها، مهما حاولنا، إلا بعد فنائها"..
بهذا صورت لنا الكاتبة الجميلة الذي أسمها
الفني " سعاد سليمان " على أنها قادرة على تسخير جروح الألم ومعاناته بقلم
مهني، أكاديمي لتقول كلمتها الحرة دوماً لعل الرجال يوماً يتقون، وإلى ربهم يرجعون
لإنصاف المرأة ودورها الريادي داخل المجتمع والحياة وهي التي تمثل لنا دون شك، الدين
والعقل.
في الختام لابد من تقيم النقص كما قيمنا
الجميل الإيجابي بغية المعرفة، نقصد، من أجل إصلاح المجتمع الذي من أجله يكتب المبدع:
قلنا في البداية بأننا نظن بأن للرواية
هدف واحد لا غير، ومعنى لا يقبل القسمة على أثنين! لكننا بعد أن تقدمنا بقراءتها، والانتهاء
منها، اكتشفنا بأن هدفها كان غير واضح المعالم كالضباب والسراب، تسعى إليه ولم تجده!
بقينا نبحث عنه ولم نره! كما أنها ومن وراء" هبّات ساخنة " لم تجعلنا نشعر
بوجود معالجات حقيقية تترجمها الكاتبة من خلال طرحها لمعاناة المرأة في مثل سن بطلة
روايتها، تلك التي شرحت مواقفها ومواقف غيرها دون أن تطرح حلول لمشكلتها، وما يحدث
لغيرها من بنات جنسها، خاصة في نهاية الرواية التي جاءت غير موفقة بسبب التركيز على
وصف الأم بما لا تستحقه، بقولها الغريب:
" هل حصلت أمهاتنا على كامل الارتواء،
أم أن خبايا الأمومة تخجل من الإفصاح؟! لماذا بعد الخمسين يتسرب إلينا إحساس بأن أمهاتنا
طاهرات مطهرات، لم يتدللن، لم تراودهن الرغبة، لم يحرقهن شوق ولا احتياج! لم يخلعن
ملابسهن أبداً، وأننا لم نولد من أرحامهن، الرحم ذاته الذي يتلقى بويضة الأب، بعد التحام
وتعرٍ، تأوه ولذة، ذوبان وانصهار، متعة! لماذا صارت أمهاتنا ملائكة بملابس بيضاء ومسبحة
وسجادة صلاة؟ حتى أنهن يخجلن من تعريف بناتهن بما يحدث ليلة زفافهن"..
من هنا نجدها تظهر الأم وبشكل عجيب وكأنها
جانية، خاطئة، آثمة ولا نعرف علة ذلك في الحقيقة، وما الدافع وراء ما صرّحت به تجاه
ذلك الكائن الرقيق المقدس الذي تشهد له الطبيعة قبل الإنسان برحمتها، طيبتها، عذابها،
ألمها، تحملها وصبرها من أجل أسرتها، ناهيك عن حبلها، عسر ولادتها، سهرها، سهدها، جوعها،
دمعتها، خوفها، أنينها الذي لم يكن يوماً على نفسها، بل على بناتها وأولادها وزوجها!..
ومما لا شك فيه دليلنا هنا أمهاتنا اللاتي
عانن من قسوة الحياة والمجتمع، حتى باتن الأم والأب داخل الأسرة في ذات الوقت؛ ومع
ذلك لم يعرفن طريق الانحراف، أو المقامرة بكرامتهن وأخلاقهن، ركنَّ أنفسهن، أهملن أحلامهن
وحتى شهواتهن المباحة قتلهن قبل أن تولد خلف أسوار الكبد والاستعباد من قبل الزوج والأولاد
فذابن في بوتقة الحياة، ثم يمر الدهر عليهن بعجلاته الثقيلة فيسحق شعورهن كإنسان ولد
من أجل أن يعيش لا أن يموت في الحياة! شاخنّ قبل أوانهن، لم يعرف الشباب لهن طريقا..
هكذا كانت أمهاتنا فلا يحق لنا جزائهن وعقابهن وتعنيفهن دون وجه حق ولكل قاعدة شواذ.

