قراءة في رواية هبَات ساخنة للروائية المصرية سعاد سليمان
قراءة / احمد البدري
رواية هبَات ساخنة للكاتبة سعاد سليمان، هي مجموعات
هبَات متتالية وأزمات تصدرها لنا الكتاب في صور شتى، ربما جعلت منها ثورة نسوية
معادلة لثورة يناير لمجموعة من السيدات اللاواتي وصلن سن اليأس، لكن داخل كل منهن
ثورة من نوع خاص، وتمرد علي خيباتهن الحياتية، الكاتبة استغلت المراحل البيولوجية
وقدمت لنا العمل في شكل إنساني ونفسي، فكان اختيارها لشريحة من صميم المجتمع، تلك
الشريحة التي حصرت بأقدار وتقاليد بالية، ولكنهن امتزجن جميعا في محاولة ثورتهن
على الواقع، وبرغم اختلاف الطبقات الإجتماعية، واختلاف ثقافتهن لكنهن تجمعن على
هدف واحد وهو محاولة مقاومة خيباتهن كل بطريقتها.
في بداية الأمر يخيل للقارئ انه أمام رواية ممتعة وبسيطة
سهل قرأتها، لكن هي رواية عميقة ومتعبة في اسقاطتها النفسية والإجتماعية والسياسية
أولا- أختيار سن معينة وفئة معينة واستخدام التغيرات
البيولوجية للانثي لم يكن سهلا، ولكن حالف الكتابة التوفيق في إن توثق لمرحلة
مابين الشباب والهرم وهي المرحلة التي تتبعها
تقيم الإنسان لما سبق، بذكاء شديد وجرأء تحسد عليها، اختارات الأنثي، وقد يظن القارئ انه أمام رواية
من الأدب النسائي، وهو ظاهريا، لكن تلك الأنثي هي شريحة من المجتمع الكبرى التي
أصابها اليأس والاحباط، وربما صمتت كثيرا تحت سوط العادات والتقاليد أو عدم البوح
.. وهو المصري الذي صمت كثيرا ثم إنفجر
بثورته التي لم يحسب وقتها وماذا بعد..
- اختيار المكان والتوقيت يقدم لك مفتاح
ثورة التمرد حيث التقت البطلات في قسم الشرطة وكل منهن تحمل خيبة وهي
المجني عليها وصارت في وضع اتهام .
حيت ستجد تلك السيدة التي اعتدي على انوثتها من قبل
زوجها الطبيب الذي يعايرها بعدم الإنجاب وفي نفس الوقت يقتل حلم الأمومة داخلها
بأدويته التي تعمل على عدم الإنجاب، بل اصابها بأمراض عدة.
.كذلك أمل التي لم تتعدي ١٧ عاما وتحمل طفلا على ذراعها
وتقوم جدتها القوادة باجبارها على بيع جسدها
كذلك سماهر التي تبحث عن حياة بعيدا عن البرتوكولات
معيدة الجماعة الفنانة المتمردة على واقعها وقتل الصدق فيها .. وكذلك سميحة وفريدة
الغريب والملفت مهارة الكاتبة في توضيح اختلاف الفكر
والثقافة والبلد والتهم وفي النهاية بخرجن من النيابة بلا أي ضمانات.
المكان
اختارت الكاتبة منطقة وسط البلد وشارع مظلوم مقرا
لأقامتهن بعد أن صرن أصدقاء .. بالقرب من ميدان التحرير وهذا معادل لقيمة المكان
ومعناه التاريخي.. اشتراكهن في الثورة صورة أوضح للبحث عن الحرية وتحقيق نجاح ولو
وقتي او إرضاء لغرورهن.
-
البكاء علي التاريخ وصنع تاريخ بلا أدني مقومات
الهانم الوالدة التي تتباكي على الماضي بكل مافيه والسخط
علي الحاضر وكل ما اتي به والمقارنة التي تصل بين اسماء المقاهي والفخر بالمقاهي
والمطاعم القديمة وروادها والسخرية من الجديدة وسلوكيات الرواد، وهذا ان دل على
الفوضي واختلاط الغث بالسمين، وكذلك إندثار القيم والمبادئ بين الجميع جعل الجميع
يبحث عن حلم التغير كل بطريقته.
نجد نقيض الهانم فتنة تلك الفتاة المعدومة التي تتعرض
لكل انواع الإنتهاكات النفسية والبدنية حتي من والدها الشبق والذي لايتورع أن
يمارس الجنس معها لولا حرص والدتها الشرهة للمال، المفترض أن يكون الأب هو الامين
على بناته وفي نفس الوقت أمين في عمله نجده علي العكس تمام، هذا الراعي الذي يستعل
رعيته بأقذر وأبشع الطرق.
فتنة تلك الفتاة التي كسرت طوق الخذلان وصارت سيدة مجتمع
تغير من هيأتها وسلوكها حتي علاقتها مع الأخرين لتبني لها مجدا وتاريخا بطرق مشروعة
وكثيرا غير مشروعة، تلك الفتاة عاشقة التحدي، والتي ينتهي بها الهروب خارج البلاد
كعادة محدثي النعمة بعد سلب الوطن وبناء تاريخا جديدا لهم، فهي لا تتورع في سرقة
زوج سميحة تلك السيدة التي ظنت انها نفرتيي.
الطائفية الدينية ..
العلاقة بين طرفي الأمة والتي تمثلت في العداء القائم من
اول لقاء بين سميحة الاصولية الفكر والتوجهة
وما تحمله من غل نحو مريم التي تتقود للحرية بعيدا عن قوانين الكنسية واللاهوت.
العادات والتقاليد وقتل الحلم
وظهر جليا في علاقة سلمي وحبيبها الأوحد والأزلي أدم ابن
الأشراف ومحاولة قتل هذا الحلم .. وإن تحقق لفترة ما تحت جنح الظلام وعند اول ضوء
بمعرفة والد ادم يموت إلي الأبد، وكأن كتب
أن وأد الأحلام هو الطبيعي.
الاستعمار
النفسي وما يحمله من بريق خادع..
ووضح جليا في علاقة سلطانة التي لا تحمل اي جمال ظاهري
بقدر كونها أنثي دائمة الإشتعال أمام القادم، هذه السينمائية التي تسجل وتوثق،
لكنها تقع في فخ الغربي القادم وبمجرد الإنبهار به تنسى ما تقوم به، وهي لقطة
للإنبهار بكل ما هو قادم من الغرب حتي لو كان فيه الموت والمرض ..
عبقرية المكان ..
سيظل وسط البلد والتحرير ملاذ لكل مظلوم .. وستظل مصر
التي تحمل على كاهلها الكثير من الظلم وإن أصابها اليأس تتمرد على يأسها
وفي النهاية تلك
السيدات اللاوتي وصلن لسن اليأس وجدن داخلهن
هبَات ساخنة للتمرد وخلق ثورة ضد واقع لم ينصفهن وكما حدث لثوار٢٥ يناير حدث
لهن تفرقن وتمزقن وعدن أكثر إحباطا.
