-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

تغريبة خلاص _ للأديب المصري: رضا محمد الجمل

 

تغريبة خلاص
قصة قصيرة
رضا محمد الجمل
أحببت رائحة عرقها الممزوجة بدفء، كنت أحنو عليها وألمس رقبتها بنعومة لألهيها عن فكرتها السوداء كلما جلست أمام المرآة.
أُهديت إليها من قاطع طريق سرقني من فتاة جامعية فقيرة كنت أغلى ما لديها... بل كنت كل ما لديها في الشتاء، ودائما ما كانت تتباهي بي. لم تتركني بسهولة، تشبثت بي حتى سحلها على الطريق الصلد منطلقا بدراجته النارية، تمنيت لو انشطرت وبقى نصفا مني معها، لم يكن ذلك ليؤلمني أشد من السلخ على أي حال، ولا أصعب من لغات البشر التي وقرت بروحي بعد سلخي.
تابعتها حتي غابت عن المشهد باكية وكتبها متناثرة حولها والدم يسيل من ركبتيها. استحضرت يوم عثرت عليّ، كنت أراقبها من جحر لأتوارى عن منتخبي الملابس قبل عرضها. همست لنفسها "الملابس كلها مستعملة ومهترئة"، تحجرت بعينيها دمعة وابتسمت نصف ابتسامة لم أستطع تفسيرها ورفعت رأسها ناظرة لصورة رجل يشبه فرس النهر تحتل مقدمة قاعة المعرض الكبيرة وقالت " هو ذا معرض تكافل أولادنا وكلنا واحد ومعا لترشيح رئيس الجامعة وزيرا للسعادة !"، أرجعت ما بيدها وهي تلف رأسها تتفرس المعروض، لمس بنانها نعومة فائقة من طرفي، أخرجتني وضمتني بقوة لصدرها وكادت تطير فرحا بي. أكرمتني بالغسيل والتشميس وأضافت صدفا كان يذوب في لون فرائي كما كنت أتماهى مع الثلج.
في أيام الصيف كان لوني يتحول للرمادي، كانت تغلفني وتعلقني بصالة البيت التي ضاقت بأريكتين ومنضدة عليها شيئا بحجم زهرة عباد الشمس له ذيل أسود طويل موصول للحائط يزدحم ويتعاقب داخله أصناف من البشر بألوان الطاووس وطنين الذباب زادوا البيت ضيقا، ولكن البيت كان مريحا بترتيبه وستائره النظيفة التي تسترهم عن نوافذ مقابلة كأفران تتثاءب على مسافة وثبة قط.
معذرة ... لم أقصد شيئا بذكري للقط. أرجوكم لا تتركوني وأكملوا ما بدأتم وأقسم أني لن أذكره مرة أخرى.
اتسع البيت بحنان الأب الطيب ومواساة زوجه العطوف كلما عاد مهموما بسبب قسوة رب عمله الشديدة، كانت تنصحه بالبحث عن عمل آخر وأنا أصرخ بكل ما في ... اهرب منه.
في بلادي البعيدة التي أتيت منها ... كان خيار البدء من جديد كشرب الماء.
ذلك السارق انتزعني من حفاوة هذه الفتاة المسكينة وألقاني على كتفي تلك الفاتنة وسط أدخنة وأضواء ملونة باهرة تتوالى على جسدها الأبيض البض، وشعرها الأسود المسدل كان يداعبني ويثير جنوني. وقتها ... ظننت أنه الخلاص!
كان أول عهدي بها ارتوائي بعرقها بينما هي تتمايل لذكور فاغري الأفواه ظننت أنهم في موسم التزاوج، عرفت هنا أنهم لا يلتزمون بأي قيود بخصوص هذا الأمر سوى أن يكون غير معلن.
كنت مدهوشا بحركاتها المتناغمة؛ ولكنها بدت كدجاجة كئيبة مرغمة أن تبيض كل يوم. كلما انعقد حاجبيها؛ قذفها رجل يحتل ثلث الرابية التي تتحرك عليها بنظرة حادة وبين إصبعيه شيئا كعقلة قصب بلون أشجار الغابات يسحب منه الدخان.
تصنعتْ الابتسام وقطرات العرق التي أعشقها تجمعت لتنساب إلى ما بين ثدييها الناضجين، بينما ارتقى أحدهم ليلقى على رأسها أوراق عديدة، حاول مد يده لغرس بعض هذه الأوراق بصدرها وهو يقترب فدفعته ليقف صاحب عقلة القصب ويحدق بها، بعدها انطلق صبي ليجمع الأوراق من تحت قدميها بهمة ويضعها على طاولة الرجل الذي يتابعها إذا غلبها الحزن.
في بلادي البعيدة ... أيضا كانت مالكتي الأولى تتمايل بنعومة لحبيبها كثيرا ولكن دائما بنشوة غير مرغمة. كم كانت رقيقة ولكنها لم تكن بجمال وتناسق تلك المرأة التي تريد الانتحار كلما خلت بنفسها كل ليلة.
بعد رجوع هذه الأخيرة لغرفتها المبعثرة؛ لا شيء بمكانه سوى معلاق خصصته لي تهدهدني إليه برفق قبيل ذهابها للنوم، زاد بؤس الغرفة صنبور يقطر بتردد كريه، غرفتها كانت أسوأ من جحر ضب. معذرة أعرف أنكم تكرهون الضب ولم أقصد الإهانة لأن بعض من عشيرتكم كان يزور الغرفة.
سحبتْ مقعد بلا ظهر عليه كومة ملابس، ألقت بجسدها عليه ليصدر أنينا، كانت تمسح برتابة وبطء مساحيق عديدة على وجهها لم أفهم لها سببا، ترنو لصورتها بالمرآة الكبيرة المغبرة المكسورة بوجه خلا من أية تعبيرات؛ لاحظتْ لونا داكنا امتد أسفل عينيها الذابلتين كأنه انعكاس خفيف لحاجبيها، لم تأبه به ولم تحاول مسح المرآة المتربة لتستبينه؛ أخرجت صورة لصبي يشبهها كثيرا، كانت الصورة مرتقة بعد تمزيق، كانت تبكيه بحرقة، تشكو هروبه منها وتلتمس له الأعذار ثم تتهمه أنه السبب!
هذا الصبي كان يجمع الأوراق الملقاة عليها إلى أن نبت له أسفل أنفه شعيرات خجولة كأهداب فرخ، بعدها صار يتأفف من كل شيء ويتشاجر مع جميع الذكور عدا مدير المكان الذي كان يظنه أبيه.
ذات يوم ... دعت صديقة لها في العمل لإصلاح الصنبور، لم أحب حديثهما أبدا، كانتا تذكران صاحب عملهما بصورة مربكة ومحيرة بالنسبة لي.
قسوته المفرطة كالقرب من النار، تحرق جلودهن، ولكنها تبعد عنهن الهوام، محترف وهن بالنسبة له موظفات وأمور غريبة كهذه ثم تلعنانه هو وأبيه وأمه بحرقة، ثم تعددان كيف يحميهن ولا يتأخر حين طلب شيء، ثم تبصقان عليه ...القواد الديوث (كما قالتا) ثم تجتران مواقف شدة كان لهن الظهر والسند مثل احتوائها حين جاءت حبلى من أقاصي القرى بعد زواج عرفي بشاب غرر بها وخلفها حلقة من الثأر المفرغة (كما قالت).
دائما ما سألت نفسي، لماذا لا تهرب مرة أخرى كما هربت أنا من السيرك ورفضت أن أكون مستأنسا يُلقى إلي الطعام بأداء حركات مهينة وأقبل بالضرب إذا تباطأت أو عجزت عن أداء المطلوب بين روائح منتنة لحيوانات شديدة الطاعة والقذارة، وحين تقل الفائدة مني يلقوني للسباع.
لا أفهم شيئا هنا، هذه البلاد أقل برودة بكثير من بلادي البعيدة، ولكن الدفء هنا يشبه حُمى المرض.
تمنيت كثيرا لو رجع ذلك الصبي الذي تبكيه هذه المرأة ثم تأخذنا ونرتحل لبلادي الباردة.
أتذكر رجلا أمطرها بوابل من كلام معسول ذكّرها بأيام جميلة وتأملت فيه الطيبة، وأغرق من دعته بالديوث بأوراق خضراء تلمع أعين البشر لها دائما ليسمح له بقضاء ليلة معها.
أخذها لمصيف عائلته، نهش لحمها كمجموعة ضباع تفترس غزالة، قام عنها كقرد مزعج يتمطى، ركلني إلى أبعد ركن وسبها بأقذع الشتائم، هرولت إلي وسقطت علي تتفحصني فزعة بعد ركلة هذا العنيف.
قذفها بشراشف السرير لتغسلها وتمحو كل أثر لها وسخ (كما قال) لكي لا تلتمسه إحدى زوجتيه حين زيارتهما للمصيف.
كل ما ينكرون هنا في العلن يتسلل بخلواتهم سرا كحفيف الثعابين.
معذرة... أعرف أنكم تكرهون الثعابين، أتوسل إليكم أكملوا ما بدأتم قبل طلوع الفجر.
أشتاق لنشوة امتزاج شعرها الناعم بفرائي، أفتقدها بشدة بعد أن نسيتني على مقعد في ليلة حمقاء انسلت هربا من الصيف لليالي الشتاء.
حملتني الريح لبركة طين، التقطني بائع في يوم ماطر وطوق بي رأس ورقبة حماره.
آنست كثيرا بهذا الحمار وصرت كجزء منه أتألم لضرب العصا ووخزه، وأميل بنعومتي على جرح الحز من اللجام، وأطرد عنه الحشرات المضجرة، أشد من أزره في مطلع زلق وهو يجر حمولة أضعاف طاقته، أواسيه بحكايتي وكيف نُزعت بلا رحمة من جسدي بعد أن كانت لي عائلة، ومرارة الدباغ، والروح التي علقت بي لتكفر عن أفعالي حين كنت ثعلبا ماكرا قاسي القلب أحرق قلوب البطاريق بسرقة وافتراس أفراخهم، إممم ... هذا جيد؛ أشعر بحماسكم الآن في تمزيقي.
حاولت كثيرا إقناع صديقي الحمار بالهروب ولكنه كان مغلولا بإلف رتابة حياته.
هذه البلاد تبدو أكثر حميمية من بلادي الباردة، ولكن أغلب التواصل هنا يشبه مراحل الترويض بالسيرك وصولا إلى سلب العقل لقبول المساومة على أبسط أسباب البقاء على قيد الحياة.
بنو البشر فاجأوني؛ يغالون في ذكاء الثعلب ويقدرونه، ويهابون الذئب ويحترمونه وفي أغلب الأحيان يحتقرون الأقرب إليهم والأكثر منفعة ... الكلب والحمار.
وأنتم ... لا صفة محمودة يذكرونها عنكم غير السرعة؛ السرعة وفقط؛ إممم ...لا عليكم؛ فبني البشر محيرون وحين وضعوكم في صور يرسمونها مع القط؛ كانت الغلبة والفطنة لكم غالبا!
لو علمت ذلك حين كنت ثعلبا لحكمت بني البشر بالأوهام والقمع بصورة أقسى كثيرا من السيرك، هم مهيأون لذلك تماما بصورة عامة... وبالأخص بالنسبة لنا "الثعالب" ولا عجب إذا تماديت وقلت ... سيحبون ذلك!
كل ما علي فعله أن أضعهم في حيرة وقلق وشقاق...وسيبرعون هم في الباقي، بل وسيفاجئوني ويمتعوني بإبداعهم في التودد إلى والتلذذ بالعبودية.
آآآه.. لا زال بي قدر من شر، ما كنت لأفعل ذلك، أنا في النزع الأخير الآن وكل ما أرجوه هو الغفران.
حل الصيف وقد تحول لوني ولم يعد لي منفعة سوى كوني ممسحة لأحذية رواد ذلك المطعم الذي تقتاتون من فضلاته، أروي لكم قصتي أيها الفئران الطيبة امتنانا لقرض جلدي أملا في الخلاص وارتقاء روحي، وأطمئنكم بأني لا أشعر بوجع أسنانكم القاطعة لأني كلما تذكرتهما؛ هي والحمار؛ زال ألمي وتعاقب علي إحساس الأسى لحالهما والمواساة أن حالي ليس أشد بؤسا منهما.
رضا محمد الجمل



عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية