#"قراءة سيميائية لنص فراشة البوح"
عندما يستأثر الشاعر بخلق نص سردي مذهل ،فنحن أمام
قلم متفرد حمل هم القضية الفلسطينية، وأنتج نصوصًا استثنائية، ربطت الإنسان المعاصر بالهم السياسي العروبي و حس المواطنة المسلوب و الصراع الوجداني العربي الجمعي الموسوم بالخذلان والهزائم والانكسارات أمام بطولة النضال الفردي و وتمرّده و انتصاره في استشهاده و ارتحال روحه القلقة وفلسفة وجوده الازلي. في وجه المحتل الغاشم.
ولعل الأكثر تفردًا وسطوعًا و وضوحًا في عمق ما يطرحه أدب الأستاذ عمر حمش هو تلك الطلقة الثاقبة الفريدة التي تستقر في القلب والعقل كحالة استبصار ويقظة. فأدب الأستاذ عمر عادةً ما يتوهج بدلالات وعلامات تعكس إشكالية المصطلح بين الشعر والمنتج السردي ولعل هذا النص يسألنا نحن هل نجا الأستاذ عمر حمش من نصه؟هل استطاع أن يحميه من وحدته الضارية، ومن أثر تجربة الاعتقال والتعذيب في جسده المُتعَب؟ هل استطاع شِعره أن يقنع هذا الوطن المبتور بحبه كمناصل وأسير وشهيد، ويعرِّي جلَّاديه أمام أنفسهم ويروض وحشيتهم؟
على الرغم من كل الغموض الحائل بيننا وبين السارد، فإننا نتدارك شيئًا ما يدفعنا إلى أن نعرف أكثر عن سيميائيات هذا السرد بكل رموزه ودلالاته وتحولاته و الذي تفرد بلغة شعرية تغتصب المشهد، وتوقظ فينا حس الموت التصويري لروح متوحشة عصية على الانكسار حتى وإن غادرت جسدًا مكبلا مثقلًا بالكدمات والجروح
يبدا الاستهلال بتصوير حسي انفعالي، حين يحاول الأسير المجاهد أن يلتقط لنا مشهد موته الآني الذي قد حدث للتو ،فهو مكبل اليدين،قدماه تنتفخان، رأسه في كيس أسود، الحشرات تنهب جسده, الروح تغادر الجثة الخدرة الآخذة بالانتفاخ، لكن وعيه في يقظة وامتداد، لتطلق الروح الشرسة المناضلة في رحلة رمزية أخيرة
كفراشة هائمة عنيدة وكما ورد في النص:
أنا في الصمت .. أغافلُ جسدي؛ لأمضي.
عقلي العاملُ كان يمضي كلّما اشتدّ الأمر ..
تخرج الروح الثائرة بنا لمكان الاستشهاد، ويفرض المكان وجوده كشخصية افتراضية فاعلة في تحقيق الرؤية فتضيف للسارد عمق وجوده ومرارة ما شهده من تعذيب جسدي سافر بُعيدَ الموت، فهو في سجن عسقلان، يطوف في الأزقة الرطبة العفنة مارقا بالزنازين، وبساحات الصلب والمصاريف العارية التي هتكت أجساد الشهداء ومثلت بهم أثناء سحلهم، وتنساب الروح في رحلتها لتعبر أبواب السجن، (وتسقط في الدنيا) ، فهي تحلق في فضاء السوق، حول العابرين، تصغي لخطاهم وتعبر الطرق التي يعرفها الساردُ جيدا، تمر بالمسجد القديم (الرمز الناصع لهوية عسقلان الحقيقية) ، تدرك أن الاحتلال قابع رغم كل شيء،يدنس المقدسات يغير ملامح المدينة، يخرب ويهدم ويقتل كل شيء وكما ورد في النص:
خلف بطن الغول
جدارَه الذي جعلوه حوانيت خمر، أرى الشعر المعقوص .. يسيرُ تحت البرانيط ..
تصل الروح الشريدة للمقبرة في رحلة وداعها الأخيرة، تعانق الشواهد وتصغي للجد العسقلاني القديم، في طقس وداع يبدو مألوفًا ومتوارثًا ، فيقبل نخلة الدار ويطوف بتفاصيل بيت جده و وذكرياته فيه، ولا ينسى ذلك الجدار الذي بناه الأب يوماً، ليدفن في تغريبته المريرة، في مخيم مجهول إغراقًا على عمق المعاناة ،و كدلالة على تشريد فلسيطيني عسقلان في نكبة ١٩٤٨ المخزية، ليحتلها الصهاينة قسرا وظلما وبهتانا
تصل الروح لنخلة الجد العتيقة رغم أنّ ذاكرتها تتشظى بها، تتجاذبها الجثة المنكّل بها، وعذابات التحقيق الوحشي القاسية من جوعٍ وتنكيل وقهر، ويتردد ذلك الصوت الآمر بالاعتراف أن (اعترف) في ذاكرة روح السارد و في( عقله العامل) دلالة على رمز النضال الحزبي السياسي المرتبط بالكفاح المسلح، فاليقظة من الحياة والولوج في عالم الموت هي حالة تحول ضمنية تشبه مرحلة حياة الفراشة التي تبعث من يرقة هشة إلى شرنقة منزوية إلى فراشة جميلة و كأن السارد البطل قد نجح رغم هزيمة الموت بتحقيق نصره، فهو في هيئته الروحية المتمردة كما في موته لا يتيح للمحتل فرصة الانتصار، تلك القوة في الهيمنة على المكان وتطويعه، أمام ما يظنه العدو، انكسارًا وألمًا وتمزيقًا. ،يرسم لنا الكاتب خريطةعودة الفراشة التي تبوح لنا بحياة عظيمة تتحدى ذاكرة شعب جريح مناضل، وآلام شهيد جسور بصق في وجه جلاده (الغول) ، واعتقله في جبنه ودناءته
ومضت لتلثم سعف النخيل السامق المتجذر في الأرض،
لتبقى بكل عنفوان هائمة مع أرواح الأجداد، لتعود للسكنى رغم أنوف الصهاينة الجبناء للأبد.
نص امتاز بلغته خطابه الشعرية الصرفة، كتبته شاعر قلق أخطأ القصيدة في رحله معاناته فخلق سردًا استثنائيًا،اقتحم عالمنا ولن يغادره حتى اللحظة. علمنا أن الكرامة العربية الفلسطينية ما زالت تشعرنا بالضآلة والخجل. نص مذهل، ينظر إلى عسقلان من علٍ، ويتسكع في أرواحنا خلال بوح شفيف وصارم لا مهرب منه.
ليوقظنا نحن أيضًا.
النص:
#"فَرَاشَةُ البَوْح"
كنتُ هناك ..
أقفُ في الزاويةِ الآسنة، إن أُسقطَ النعاسُ جبهتي؛ ردَّتها حبيباتُ الطلاء، وحيدا في الصمت، كآلةِ رصدٍ لزحفِ الزمان، أعضائي موزعة .. متباعدة .. رأسي منتصبةٌ في كيس .. ذراعاي خلفي موصدتان، ينهبُ دمهما البعوض، قدماي تنتفخان في البعيد، أذناي تغادران؛ تغربلان الصوت الذي يأتي، يلامسني متموجا، ثم يمضي تعذّبهُ الرِّيح. تقول عينايَ لعتمةِ الكيس:
هذا عصر، هذا فجر ..
والصمتُ يعود .. يخالطُه الطنينُ.
كانت أياما من صمتٍ وطنين، أمسيتُ كائنَ الكون الوحيدَ المتبقي على وجهِ الأرض .. صاغرا للّدغِ .. أمارسُ فنَّ الانتصاب .. يسري في دمي خدَري .. تغافلني رأسي .. تسقطُ على صفحةِ الجدار، فتدقُّها حبيباته البارزة، أرفعُ قدما؛ لأحكَّ الأخرى، دمي كان طعاما شهيّا في البقعةِ الهائجة ...
أيامها عقلي العاملُ قال لي: هذه الحشراتُ جندٌ لهم مجندة، مدربةٌ، تعملُ بدراية، تجاورني، وقبل أن تلدغ؛ تدورُ ما بين كيسي ودمي.
الخدرُ عميق .. أطرافي ممالكُ نملٍ، جلدي قربة، منتصبٌ أنا في الصمت .. أغافلُ جسدي؛ لأمضي.
عقلي العاملُ كان يمضي كلّما اشتدّ الأمر ..
دروبُ سجنِ عسقلان أعرفُها، باحةَ الصلبِ الدائرية، قنواتِ الصرفِ العارية التي تُوقعُ المسحوبين، الدهليزَ الرطبَ، صفيَّ أبوابِ الزنازين، من هناكَ أهرّبُ عينيَّ .. عيناي برفقةِ عقلي العامل، أجتازُ أبوابَ الحراسِ بابا بابا، أصلُ البوابةَ الضخمة؛ أحلّقُ .. أصيرُ فراشة دوّخها العَطَنُ، أسقطُ في الدنيا، خلف بطن الغول، جسدي يظل هنا، وهناك أنا فراشةُ ريح، أتجاوزُ خطوَ الغرباء المجلوبين، أصلُ مكان السوق، أمّي كانت هنا .. أبي كان هنا .. أعرفُ الطرقات .. المسجدَ القديم
.. جدارَه الذي جعلوه حوانيت خمر، أرى الشعر المعقوص .. يسيرُ تحت البرانيط .. أشمُّ رائحةَ البلاطِ، جسدي هنا واقف، وأنا هناك .. من مقبرة عسقلان يصلني نداء جدي، أدقق في الشواهد .. في التواريخ، في أسماء العائلات التي كانت .. أردّد تحيتي:
سلاما أيّها العسقلاني القديم.
يقولُ جدي: اذهب، وقبّل نخلة الدار.
أعرفُ الأزقةَ .. المنحنيات .. باحاتِ لهوِ الصغار مع بدر السماء .. بيتَنا الذي كان على حافة الوادي .. سقيفةَ حارتنا حيثُ كانت سهرة الكبار.
أنا فراشةٌ تحلقُ على باب السقيفةِ .. أقطفُ مذاقَ الطينِ .. أدلفُ إلى صحن السقيفة، وأطرحَ السلامَ .. جسدي في الزاويةِ الآسنة هنا، روحي هناك .. فراشة ضوء أنا، لا شأن لي بقدميَ المخدتين، بالصمت، بالطنين، بنداءاتِ "اعترف " أنا روحٌ نشط، عقلٌ عامل، لا شأن لي بمعدةٍ خاوية، بقنواتٍ تُعثرني وأنا معصوبٌ .. إلى هناك أصلُ برشاقتي .. إلى نخلةِ دار جدي، إلى البابِ الذي لا يصدُّني، الجدار الذي شيّدهُ أبي، أبي عند الله الآن، في قبر المخيم، واريناه لمَّا انطفأ.
جدي في عسقلان، أبي في المخيم، بين قبريهما سياجٌ يفصلُ الأرضَ عن السماء، هنا أنا أطيرُ .. ألامسُ جذع النخلة .. أتلمسُ طريقَ الذروة .. إلى رؤوسِ السعفِ.
لا شأن لي بجسدي في الزاوية، لو جرُّوه فوق القنوات، على أرضية القبو، لو مزقوه، هو طينٌ سيعودُ إلى عناصره، أنا فقط فراشةُ عشقٍ خالدة ..
هم هناك يعوون: "اعترف" هنا أنا أُسقطُ السلامَ على السقيفة .. هم يُجنُّ جنونهم، وأنا على ذرى السَعفِ، أغني أغنيةَ جدي القديمة!
عمر حمش/فلسطين

