-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

إعجازٌ التصويرِ القرآني لا يُدانيهِ إعجازٌ كلاميٌّ آخَرُ: بقلم أ. د. لطفي منصور

 إعجازٌ التصويرِ القرآني لا يُدانيهِ إعجازٌ كلاميٌّ آخَرُ:
بقلم أ. د. لطفي منصور 


لغةُ التصوير أو ما يسمَّى الرسمَ بالكلمات هي قمّةُ البلاغةِ العربيّة. فيهِ تظهرُ حِنكَةُ الشاعرِ أو الخطيب في وصفِ المشهَدِ المرئِيِّ أو المسموعِ من جميعِ جوانبه.

فلو أخذنا معلقةَ امرئِ القيسِ التي تعتبرُ سيِّدَةَ الشعرِ العربي، وأنتَزَعْنا منها مشهدًا من أجمل مشاهدِها، وهو وصفُ امرئِ القيس لحصانه، وكيفَ يصوِّرُه نراه يقول:

       وَقدْ غتَدي والطبرُ في وُكُناتِها

                                 بِمُنُجَرِدٍ قَيْدِ الأَوابِدِ هَيْكَلِ

       لَهُ أيْطَلا ظَبْيٍ وَساقا نَعامَةٍ

                          وَإرخاءُ سَرْحانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ

       مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا

                    كَجُلْمودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

وحسب ناقدي الشعرِ فإن هذا الوصفَ وما تبعه من وصف ذيله ونعومة صَهوته هو اجودُ ما وُصِفَتْ به الخيلْ.

ونحن نوافقهم على هذا الحكم في الشِّعر، ولكن أين هذه البلاغةُ من بلاغةِ القرآنِ في الوصف؟

إذا تدبرنا كلماتِ امرئِ القيسِ في وصفه لحصانِه نراها لا تعدو الوصفَ الحسِّي، أي المرئي والملموس والمسموع كضبحِ الخيل، وهو خروج النَّفَس ودخولُه، أو غَلْيُ الُمِرْجَل، وهو الإناء الكبير الذي يُطبخُ فيه الطعام للجيش أو القبيلة.

إن امرأَ القيسِ يقول عن حصانِهِ؛ قصير الشعر، سريع العدوِ في اصطيادِ الأوابد وهي ما يُصاد من الحيوان، له كشحا ظبي وساقا نعامة وعدوُ ذئبِ وجريُ ثعلبٍ.

وصفه أيضًا بالحركات الأربع التي تُرى: الكرّ والفرّ والإقبال والإدبار. الكلّ بحاسّةِ البصر، ما يراهُ من الحصان يصفُه.

الوصفُ في القرآن لا يكون بما تراهُ العينُ أو تسمعُه الأُذن. إنما يتعدّى ذلك إلى البصيرةِ والعقلِ والفكرِ والمناجاةِ والهدوء النفسي، لا بالصّخَبِ والجَريِ والضَّبْحِ.

فَلْنّأْخُذ مثالًا لذلكَ من سورةِ يوسُفَ عليهِ السلام. الكلُّ يعلم ما حَدَثَ ليوسُفَ من إخوتِه، ووصولَ يوسُفَ إلى منزلة عزيزِ مصرَ، وقصَّةَ الجدْبِ والمجاعَةِ، ورغبةَ يوسُفَ في إيواءِ أخيه من أبيهِ وأُمِّه بنيامين، خوفًا عليه من مكيدَةٍ أخرى يقومُ بها إخوتُه ضِدَّ شَقيقِهِ. ولْننظرِ الآياتِ القرآنيّةَ كيف تصِفُ طريقةَ إيواءِ يوسفَ لأخيه والحيلةَ التي اصطنعها للحصولِ على أخيه من البدو إلَى الحَضَرِ.


(فلمّا جهَّزَهم بِجَهازِهِم جعلَ السِّقايَةَ في رَحلِ أخيهِ، ثمّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العيرُ إنّكم لسارقون. قالُوا وَأَقْبَلُوا عليهم ماذا تفقدون. قالوا نفِقِدُ صُواعَ المَلِكِ، ولمن جاء به حِمْلُ بَعيرٍ، وأنا به زعيم).

لنتدبرْ هذه الآياتِ: وخاصَّةً: إنكم لسارقون ..... قالوا وأقبلوا .... تفقدون.انظروا كيفَ تصوِّرُ هذه الآيات مدى الهلع والفزع اللَّذَيْنِ انتابا آخوةَ يوسف عندما سمعوا خبرَ السرقة.

لم يصبروا حتى يصلوا جماعةَ يوسفَ يلْ سألوا وهم مقبلون، ثمّ تَأتي الآياتُ لتزيدَ المشهدَ التهابا، والْمَوْقِفَ شِدّةً وصرامةً، عندما سألوا: ماذا تفقدون؟ وحتمًا كرّروا السؤالَ، فأُحبِطَ أمرُهُم. دون أن يُبدوا صِياحًا أو هيجانًا عندما عرفوا تفاصيلَ المصيبةِ، عندما اسْتُخْرِجَتِ السقايةُ من رحلِ أخيهم.

ثمّ عرضوا حَلًّا على أخيهم العزبز ِ: خذْ أَحَدَنا مَكانَه؟

 رفضَ يوسُفُ العرضَ لأنه ظلمٌ في دينِ الملك.

أمامَ هذا الردّ اشتعلَ المشهدُ، 

وزادت نارُ القُلوبِ ضراوَةً، ووقعَ القومُ في ذهولٍ وَحَيْرَة. بماذا يجيبونَ أباهم يعقوبَ الذي أخذ منهم موثقًا من الله؟؟

وهنا في تلك اللحظات الحرجةِ؛ والصّمتُ المتأجِّجُ هو سيّدُ الموقف تأتي بلاغةُ القرآنِ وسحرُ تعبيرُهُ لتُنقذَ الموقفَ، بتعبيرٍ ليسَ له مثيلٌ في لغة العرب، يصفُ ذلك المشهدَ بقولِ رَبِّ السماواتِ والأرض (فَخَلَصُوا نَجِيّا) كلمتانِ من الإعجازِ الربّانيِّ، أي انعزلوا من الارتباك والهلعِ والذهولِ الذي خيّمَ على نفوسهم. خلصوا من ذلك كما تخلصُ الزبدةُ من اللبَن. وأخذوا يتناجَون. كلُّ يُبدي رأيَهُ بهدوءٍ نفسيٍّ غامر.

لم يستطع يوسُفُ الصبرَ أمامَ هذا الحضور المتناجي بصوت خافتٍ مسموعٍ لهم. فبادرهم بكشفِِ الحقيقةِ. وأنَّه هو يوسفُ والذي لم يسرقْ أخوه. وتمَّ الأمر.

كلمتان وصفَ بهما القرآن حَدَثًا تاريخيًّا وصفًا فكريًّا عقْلِيًّا معجزًا. لم نسمع مثيلًا لهما في كلام العرب.

عن محرر المقال

Zeena مجلة ثقافية تعني بالأدب والثقافة والفن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية