-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

" إشكالية الإبداع بين الحرية و الإلتزام ". ..... الحبيب توحيد

 " إشكالية الإبداع بين الحرية و الإلتزام ".

الحبيب توحيد



بعد ما نشرت مقالة عن الفنان وليد عبيد و عن أعماله التي تعبر عن المجتمعات العربية التي تعيش في الدرك الأسفل من العفن اضطلعت على تعليقات من بعض المهتمين بالشأن الفني التشكيلي و لقد كانت متباينة حول الإبداع و الحرية و الإلتزام .
في الحقيقة فإن الإختلاف ظاهرة صحية وسنة كونية بين البشر، والأهم هو أن نفرق بين الخلاف والاختلاف في حواراتنا ونقاشاتنا مع الآخرين، وتقبل الرأي والرأي الأخر، لا أن نقصيه ويتحول من الإختلاف إلى الخلاف.
إن إشكالية الإبداع بين الحرية والالتزام الديني والقيمي تبقى مفتوحة ومستمرة ومتوترة. و تختلف كما تتعارض آراء و وجهات النظر حول هذه الإشكالية للمهتمين بالفن التشكيلي حول هذه الإشكالية . من هنا سأعرض بعض الأفكار المتباينة و المختلفة حول هذا الموضوع .
--- كما أن بعضهم يعتقدون أن المبدع الحقيقي يفهم الحرية فهما يحول بينه وبين التحول إلى لحظات من الجنون والفوضى، ولا يذكر لنا التاريخ فنانين كان لهم مطلق الحرية، فالإبداع في أشد الحالات الفنية المتطرفة مقيد بقوانين التلقي في المجتمع.فالحرية هي أم الفن، والخيال أبوه، والإبداع ابنه، والمبدع هو الذي يشتغل في المنطقة المسكوت عنها، فيكون كاشفا للآفاق، غائرا في الأعماق .
الحرية والإبداع وجهان لعملة واحدة، لكن المشكلة تكمن في الالتزام، وأن هذه المساحة الواسعة من الحرية سوف تصطدم بحرية المجتمع العريض .
--- مجموعة اخرى تؤمن بأن الصيغة الممكنة لحل هذه المشكلة تكمن في إيجاد "هوية" كمشترك للمتلقي والمبدع معا، وكلما زادت المساحات المشتركة بين المتلقي والمبدع يخرج الإبداع مرتبطا بقيمة الصدق الفني الذي هو ابن وفيّ للقيم الإنسانية . إن ‪غياب التوتر بين الإبداع والالتزام يؤدي إلى ركود الإبداع‬ .
--- كما أن هناك من يصرون علي أن هناك ثوابت لا ينبغي للمبدع أن يقترب منها وهي ثوابت الدين والقيم الإنسانية، وإذا حدث ذلك فإن المبدع بكونه رائدا مجتمعيا يهدم في نفوس الناس المتلقين لأعماله هذه الثوابت والقيم، فيكون الضياع والتيه والخواء .فليس من الحرية التطاول على الذات الإلهية والأنبياء والأديان‬ .
--- آخرون يتساءلون عمَّا يشكل ثقافة المتلقي، ومن ثم نجعله حكما على المبدع، فهل المتلقي الآن هو في صورة مثالية، أم أنه اختفى من يوم أن اكتفى بالسماع وترك القراءة ؟ فهناك من يقع في إشكالية الحكم بالسماع، حيث يسمع أن الفنان الفلاني قدم في معرضه أعمالا تشير إلى كذا وكذا، فيحكم على المبدع دون أن يكلف نفسه بالتلقي المباشر ومن ثم الحكم عليه .
الإشكالية تكمن فيما بين الحرص على حرية الإبداع من أي مساس بها، ورفض أي قيد على انطلاق المبدع إلى حيث يشاء، حتى يتسنى لإبداعه بلوغ المرام، وبين الضيق والاستياء من سقوط ورقة التوت والتجرؤ على حائط الصد القيمي، فهل يمكن الإقرار بالحرية المطلقة أم أنها السبيل إلى الفوضى والانفلات؟
التشكيل عندما يقتحمُ نقاش الجنسانية، هو بمثابة وثيقة إدانة تشهرُ ضدّ الظّلم وقهر الفرد وإخضاع ميوله الجنسية للوصاية، واللوحة بألوانها وأنساقِها، هي في النّهاية فضاء للمُواجهة، مواجهة التقليدانية والسّلطوية اللتين تسعيانِ إلى كبح جموح الفنّ. لكن ريشةَ الفنّ في هذه المَواضيع لازالت، إلى حدّ ما، “مكسُورة”. لذلك، لم تُعرض الكثير من الأعمال وبقيت حبيسة المُحترفات.
الفنان التّشكيلي “الثّائر” في آخر المطاف إنسان، يتبنّى أيديولوجيا وقضيّة معارضة للسّائد. يحاولُ الدّفاع عنها عن طريق التّشكيل. والأعمال التّشكيلية “المُنفلتة” من الرّقابة الذاتية هي مُدهشة لأنّها تعبّر عن صدقية تحاكي ذات الفنان ورؤيته لمجتمعه وللعالم والوجود.
إن العمليّة الإبداعيّة مشروطة بالعودة إلى أعماق النفس البشريّة والغوص فيها حتى الوصول إلى تلك المنطقة التي لم تصلها لا اللغة ولا الصوت ولا اللون، والتي تأخذ فيها المشاعر الصور نفسها، لا يختلف فيها البكاء عن الضحك ولا الحزن عن الفرح، ليس فيها شيء اسمه الخير وآخر اسمه الشّر. فضاء في أعماق النفس تَمَّحي فيه القياسات والمسافات والأحكام . وكأنّي به تلك الأرض التي يتحدّث عنها ابن عربي في الفتوحات المكّيّة، التي يسمّيها الأرض التي خُلِقت من خميرة آدم، وهي الأرض التي تلتقي فيها الأرواح السعيدة وفق سقراط قبل أن تنتقل إلى اليوم الآخر. في هذا الفضاء إذن ليست هناك قياسات للطيِّب والخبيث، للشّر والخير، للجميل أو القبيح. هناك يغوص المبدع، يغطس في مائها ويعود مضمّخاً بسوائلها. لا يهمّه إن كان ما عادت به روحه يتوافق وقوانين الدين أو الأخلاق أو الدولة أو التوافقات الاجتماعيّة. ما تعود به روحه هو ما يؤسّس حقيقة الوجود البشري وإِنِّيَةَ الفرد.
فهل يمكننا أن نتحدّث عن حدود للإبداع أو عن قوانين تؤطّره ؟؟؟

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية