مذ ميلاد الصّراخ الأول في حنجرتي
و أنا عالق في صرخة
لم تكتمل أطرافها
فلم تُجدْ، يوما، غير الزّحفْ
لهذا، أنا
مازلتُ أتدحرج كلّما أغواني المشيْ
بين قصيدتين
أو بين هنا و هناك
و أتدحرج
كلّما حاولتُ الرّكضْ
نحو ثقب قد أعبر منه إلى ما وراء الصّراخْ
أو هربا
من نهد مترامي الحبْ.
و كلّما تدحرجتُ أكثرْ
نبتت على تفاصيلي جراح أكثرْ
و هذا الوقت طبيب فاشلْ
ما استطاع يوما تقطيب جرح من جراحي الفاغرة الوجعْ
أنا، أيضا، كالوقتْ
فاشلْ...
أكتبُ نصوصا عابرة لا تلدُ إلّا فواجع اللامعنى
و أصابعي الدّائمة التوتّر يتحسّن مزاجها أحيانا
كلّما مارستِ النّقر على لوحة المفاتيح
أو حين أحشرها في فمي
كمحاولة جديدة
لأستفرغ تلك الصرخة المتورّط فيها
و في كلّ مرّة
لا أستفرغ إلّا نصّا على عجلة من أمره
نصّ هلاميّ كالحقيقة
نصّ ثرثار جدا و لا يقول كلمة واحدة
أنا لستُ حزينا
رغم كلّ نتوءات الصّراخ على كلّي
و لكنّي
لست سعيدا بما يكفي لأتذكّرني
ربّما
آخر شيء كان يشبهني
دبّ ضريرٌ يمارس السّبات طول العامْ
ينام بفكّين مفتوحين
فيتسلّل عبرهما السّلمون و الأرانب
و تسكب فيهما، خليّة نحل صديقة، العسلْ
كلّ هذا يحدثُ
لأنّ الموت مازال مشغولا جدا في كنس الشّوارع من لعب الحربْ
و لكنْ
ليس مهما
في النهاية
أنا لا أنتظر شيئا خاصّا
كأن يحفظ اسمي رجل لاتنيّ ليستشهد بنصّ لي كدليل على أنّه رجل مثقّفْ
و هو يشرب نبيذا رخيصا و يبلّل مؤخّرة عشيقته بكلمات من صنعي
أو
كأن يدوّنوا اسمي في معجم للأعلام مع ملاحظة شاعر تونسيّ و هذا كل ما نعرف عنه
بل حتّى أنّي
لا أنتظر
أن يصفّق لي أحدهم طويلا
طويلا بما يكفي ليتذكّر وجهي و هو يغادر القاعة بعد العرضْ
و لكنْ
لي أمنية أخيرة
هي
أن تنبت لهذه الصّرخة التي تحتجزني أطراف
لتتوقّف عن الزحف
فأتوقّف عن التّدحرج
و ينساني هذا الدّوار قليلا.
تونس

