امسحْ دمعتي ، وضمَّني لصدركَ أيُّها المطرُ الدافئُ القادمُ من أقاليمِ الغدِ ، فقدتُ آخرَ كسرةٍ من الرضى ، وأوَّل حفنةٍ من الحبورِ تزوَّدتُ به من قريتي الموشومةِ بالشَّوقِ ، المسيجةِ بالصنوبر والزيتون ، حين وصلتُ إلى تخومِ المدينةِ الأمِّ ، كأنَّ الحربَ لم تنتهِ بعد أكثرَ من سبعِ سنواتٍ ، ياللهولِ ! ما أطولَ ذيلها. !! كأنه أفعى تنفثُ السمومَ ، الصبرُ لايسمع صهيلي ، غشى الضَّبابُ سماءَ الفكرِ ، وأصيبتْ عينُ العدالةِ بالعمى ، جلسَ الجاهلُ في مقعدِالعالم ، والتهمَ الغني طعامَ الأيتامِ والأراملِ ، عصافيرُ تتسوَّلُ تتشبثُ بمعطفي فينفضُ آخرُ ذرةٍ دفءٍ، يئدُ الفرحَ ، ويرتدي التَّنهيدِ ، أنا في باصٍ آخرَ ومدينةٍ لاتشبهُ مدينتي الملوَّنةِ بقزحِ الحبِّ، و الطريقُ بين حيٍّ وآخرَ يستطيلُ أكثر من أشجارِ الحورِ مع قصر المسافةِ ، و الخرابُ يقتحمُ عينيَّ ، متجذراً لايغادرُ كالسنديان والتينِ في الأَرْضِ ، نافذتي الشفافةُ تقرأُ أرشيفَ الحربِ المسجلَ على جدرانِ المنازلِ المثقوبةِ بالرصاصِ كغربالٍ بثقوبٍ واسعةٍ، وأسقفُ البيوتِ المهدَّمةُ تقصُّ عليكَ حكايةَ حربٍ عالميةٍ ثالثةٍ ، وحدائقُها المقفرةُ الشَّاحبةُ تحدِّثكَ عن أناسٍ عاشوا فرح العمرِ هنا ثُمَّ غابوا ، الأراجيحُ تنشجُ ، تستوقفُ المارينَ ، تسألُهم عن أطفالٍ كانوا يمرحونَ بين صفوفها ، كما تنبئني دورها المتلاصقة عن طقوس الحبِّ والتآلفِ بين أبنائها على اختلافِ مذاهبهم ومعتقداتهم ، تعلِّلني بالأحلامِ ، تعدني بغيمةِ ضياءٍ منكَ ، تعيدُ المهجَّرينَ الذين يفترشونَ الأرصفةَ و خيامَ الذلِ في بلدان العالم إلى حضنِ الوطنِ الحبيبِ ، بغيمةٍ إنسانيةٍ تنصفُ العلماء والمبدعينَ ، تشيدُ هرمَ الجمالِ سامقاً ، يرتقي فيه العلمِ والأخلاقِ قمةَ الهرمِ فيشبعُ الجياعُ ويسعدُ الضعفاءُ .
________

