رائحة من نافذة الغياب
رؤية نقدية في نص ( غياب ) للشاعرة العراقية منى الصراف
دكتور ناظم حمد السويداوي
باحث وناقد .. العراق / مقيم في السليمانية
النص :
غِيابْ
فَتْحتُ نافِذتي
مرَّ النَسيم ُ
على خُصلاتِ شَعرِي
شَمَمتُ عطرَ الليمون
منْ شُباكي
كُنتُ أعتِقدُ إنَّ الشِتاءَ
لم يَنتهِ بَعد!
الجَوُ دافىْءٌ وجميلٌ
مَتى جاءَ الربيعُ !؟
مَتى !؟
سْألتُ ذاكِرتي
عن محتَوياتها
لا ذِكريات نابِضة
عروق يَدي هي النابِضة
كُحلٌٌ متلألأٌ
كَسَرتُ به زَمني
ومرآة بَعَثت بِكل إنعكاسات
الجَمال
إسَتَبدلتُ شَراشِفي البَيضاء
بالزهري
هَمهَمتُ كُفي عن الخجلِ
إنزَعيه عَنكِ
أيراني جَميلة !؟
أمْ أنني أتْحركُ في
العُتمةِ فقطْ !؟
إن تقويل النص الشعري ، يخضع غالبا ، لأبعاد إجرائية ، يتسابق فيها الحدث المعبّر عن تفوق تعبيري برؤية شعرية ثاقبة ، تفتح المجال واسعا ، لإستلهام القراءات المتعددة التي تُخضع النص لها ، على اساس بؤرة الاستهلال التي ترافق القصيدة . والشاعر الناجح ، هو الذي ستغل اللغة ، ليوظفها في نصه الشعري ، بما يحمل من ايحاءات وانزياحات تصويرية ، تجعل المتلقي يتوه لحظة القراءة .
ولاشك ، ان الشاعرة ( منى الصراف ) كانت قد القت بظلالها على القصيدة ، فلغة الاستهلال عندها ، تضجُّ بالكثير من التكثيفات اللافتة ، التي أخضعت المتن النصي لموجّهات الافعال ودلالاتها في الفهم ، فهي حين تتلاقح مع ( أناها ) إنما تقترح شبكة من الاحتمالات الواردة في النص الشعري . فنصها المعنون ( غياب ) يشي بلقطة ايجابية ، ولو انها مؤجلة ، تمتحن الحضور والفاعلية من مناطق الذكريات المتراكمة في كيانها السير ذاتي .
يبدأ النص بالفعل ( فتحتُ ) اذا اجتزأنا فاعله المتصل بالأنا ، بعدها تأتي بفعل ثان يترنم بالسؤال ( سألتُ ) وفعل ثالث ، فيه حركية انزياحية ( استبدلتُ ) هكذا هي محاور القصيدة الثلاثة ، وكلها أفعال ماضية ، تزيَّنت بالسكون ، لكنها مليئة بالحركة ، جاءت متتابعة مع سياق الحدث . وقد اتقنت الشاعرة صنعة هذه الافعال بمهارة عالية ، وتماسك نصي جميل ، توزّع على اضاءات ، بدأتها ببؤرة خصبة ( فتحت نافذتي ) .
إن تشظي الرؤية في هذا النص ، يدفعنا الى التسآل عن سر هذه الانتقالات المتوافدة بالافعال ، سعيا لمغامرة القبض على شيء مفقود ، وهذه التقنية ، تفترض مجموعة من الافكار المحتملة في اطارها المتصاعد والمتسلسل بالافعال الواردة . لذا كان لوجود هذه الافعال ، على مستوى الصوت ، تجاذب في اللفظة والفضاء المشهدي ( الخارج ) فضلا عن الدلالات المتناثرة وراء الالفاظ .
ويبدو أن الانفلات من التأطير والانغلاق ، كان واضحا ، حين اعتمدت الشاعرة على همزة الوصل التي تربطها بالخارج المحمول بالطبيعة المنفتحة بصورة إيحائية جميلة ، وبنظرة حسية ، أتقنتها برشاقة اسلوبية جميلة :
فتحتُ نافذتي
مرَّ النسيم
على خصلات شعري
شممتُ عطر الليمون
من شبّاكي
كنتُ أعتقد أن الشتاء لم ينته بعد
الجو دافئ وجميل
متى جاء الربيع
متى ؟
إن الفعل ( فتحتُ ) فتح لنا الفضاء على كنز دلالي ، يجتاز حدود الرؤية للاشياء ، وهذه اللعبة الضاربة في الاتساع والتنوع ، هي لعبة لامتناهية ، حرَّضت الشاعرة على التمرد والتفلّت من الواقع الذي تعيشه بفلسفة التمويه . والغريب ان عين الشاعرة كانت تراقب كل شيء ، بعد أن غذَّتها الرؤية الشعرية ، ان تصف لنا المشهد بدقة بالغة ( مر النسيم .. شممت .. كنتُ ) وصولا الى( متى جاء الربيع ) ويكأني بها ، كانت تغرق في حلم عجيب ، يحمل من الاسرار والخفايا غير المباحة الكثير ، وهي وحدها ــ أي الشاعرة ــ التي تلتقط الصورة وتعرف كل تفاصيلها ، لكن السؤال الملفت ( متى جاء الربيع ؟ ) هو الذي لخَّص لنا المعادلة للتجربة الفردية القائمة على التحريض بوضعيات وسلوكيات ومواقف لامرئية . والهدف ، في ظننا ، يرتسم بمجموعة من الاسقاطات النفسية التي تلوذ بشيء مفقود يتم البحث عنه من نافذة صغيرة .
وحين تلجُّ الذات بالسؤال ( سألتُ ذاكرتي ) فإنه من المفيد ، ان نلتفتَ الى ثيمة الإنكار التي تمارسها الذاكرة المليئة بالذكريات المؤلمة ، التي تحيل الحياة الى جفاف خاوٍ الا من العروق ، وهذا من منظور الشاعرة يمثل صفعة البداية ، التي تستنطق مضمونا يتمدد على كل مساحة الفضاء المرئي من الخارج . إنها قيمة النص عندما يتوشح بنقاط عدة من خيبات التقاطع المرتكزة في الذات المتأملة للاشياء :
سألتُ ذاكرتي
عن محتوياتها
لاذكريات نابضة
عروق يدي هي النابضة
كحل متلألأ
كسرتُ به زمني
ومرآة بعثت بكل انعكاسات الجمال
إن فعل الكتابة هنا ، يحوّل الرؤية الشعرية من فضاء خارجي استحالته كبيرة ، الى فضاء داخلي بمساواة الجسد ، وهذا التقابل الضدي لم تأتِ به الشاعرة تلويحا او تلميحا ، لكنها كانت تقصده ، حين أسرت النبض في العروق ( عروق يدي هي النابضة ) لتبعثَ لنفسها مساحة فعّالة من التأمل ، يُضفي عذوبة ، يتوضأ من سحره القارئ الجيد ، وهو ذاته ، تأطير فلسفي ، تهيأت اسبابه من اتساع مراميه ، وتشظي ايماءاته ، بفعل الوعي الخلّاق للشاعرة . وما على المتلقي الا ان يبذلَ جهدا ذوقيا ، ليصلَ الى مقاصد ( منى الصراف ) .
وعلى الرغم من بناء سقوف متتالية لنص الشاعرة ، والذي حكمته الافعال التي أشرنا اليها ، الا اننا نلمس مجهولا صامتا ومتنوعا حين ننتقل الى المقطع الاخير من القصيدة ، الذي يرتمي في احضان التمني والاستبدال ، بحثا عن الحضور المزعوم والمرموز بالإنطلاق وتوخي الدفء ، إذ تتحول الرؤية الى طاقة إبصار تتمناها الذات :
استبدلتُ شراشفي البيضاء
بالزهري
همهمتُ كفي عن الخجل
إنزعيه عنك
أيراني جميلة ؟
أم أنني اتحرك في العتمة فقط !
يبدو ، أن مساحة الامنيات ، بقيت على حالها ، وهي تراقب التغييرات التي حصلت في كيان الذات ، حين تتعرض لإندفاع آخر خلقه الفعل ( استبدلت ) الموشّح بطعم الالوان المنقوشة على جسد النص ، واللون عند الشاعرة قد ادى وظيفة اشارية يتناسب وحالتها النفسية ، لذا كانت بارعة في عنصر الاستبدال اللوني ، حين ابدلت شراشفها البيضاء بالزهري الموشّح بالاحمرار ، وكلنا يعرف ، أينما وُجد اللون الابيض ، علينا ان نبحث عن دلالة السواد ظاهرا وباطنا ، لكن الشاعرة ، أحدثت نوعا من المفارقة ، حين جاءت باللون الزهري القريب من الاحمرار ، لتحيلنا على ذاكرة زمنية ، تفصل بين امنياتها التي تشتغل على منطقة التفاؤل بمحمولها الظاهر ، الذي لايمكن لنا ان نتجاهله ، او نتغافلَ عن دلالة الانفتاح القصدي فيه .
فنحن امام منظومة لونية ، تختلف في مرموزها البعيد، لكنها تعبّر عن وصف مجازي جميل ، يحمل دلالة وفرة الدم ، حين تخجل اليد ، لذا جاء هذا اللون مشحونا بالغياب القسري للآخر المجهول ، وهو ذاته المعبّر عن الغضب والقسوة حين لايكتمل المشهد المقترح للفرح المأمول .
وتبقى دلالة ( العتمة ) هي السؤال الاخير ، الذي يضجُّ في ذات الشاعرة ( منى الصراف ) التي التقطت لنا من نافذتها الصغيرة الكثير من الاحلام الكبيرة الموشّحة بشيء من دهشة الغياب .
