-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

مغناطيس - الحلقة 24 ... بقلم / ابتهال الخياط

مغناطيس - الحلقة 24 ... بقلم / ابتهال الخياط
لقاءات مقدسة
حضر سلمان إلى اجتماع الأمراء وكانت الثعابين تنادي بقطع الرأس, جلس بينهم وطلب التوضيح عن ماهية السجين وسبب العقوبة بقطع الرأس.. فكان الجواب من كبير الأمراء: وقع في أيدينا رجل غريب يرفض أن يكون تحت سطوتنا ويدعي أنه ملك عظيم والأرض التي تحتنا له.. لم يبدو عليه الجنون بتاتا بل إنه قوي ويرفض كل شريعتنا ويبطلها. كل هذا يجعلنا أن ننزل عليه الحكم بقطع الرأس ثم الحرق .
سلمان: هذا الحكم سيكون بعد رؤيته والتكلم معه من حقي الإطلاع فقد اتفقنا على المنهاج من قبل.
كبير الامراء: لك هذا, ومع الفجر سننفذ الأمر بالقتل.
ذهب سلمان حيث السجين الذي كان في قفص و رأى هناك العجب كان رجلا عظيما ذو هيبة ونظرته حادة شعر سلمان بالرهبة وبسلطة الرجل عليه.
فقال: هل أعرفك؟
السجين: أنا الملك اورنامو .
سلمان: اورنامو؟ قرأت في المدرسة عن ملك عظيم حكم هذه الأرض ووضع القوانين وسنَّ سننا للعدل وحماية المظلومين وكان اسمه اورنامو, لكن ذلك كان في زمن القوة والعظمة قبل آلاف السنين.
اورنامو: أنا هو.. أفقتُ من رقدتي من صرخة هائلة فجّرت قبري وتجمع منها ترابي وتلابس لحمي وعظمي وقادتني الرياح حيث الصرخة. سلمان: و أين كانت تلك الصرخة أيها الملك العظيم ؟
اورنامو: في قاعة صغيرة يتجمع فيها بعض المصابون بالهلع والخوف حتى صاروا لا يفقهون شيئا, كان يحمل كتابي ويقرأ صفحاتي وهم لا يفهمون. كانت صرخته مؤلمة إنه عالم تاريخ يأبى الرضوخ للدمار ونهاية دولة القانون والعدل والانسان.
سلمان: أعرفه.
اورنامو: أحقًا تقول؟ لقد افترقنا وأعلم أننا سنلتقي في مكان ما.. أين هو الآن؟
سلمان: نحن.. أنا وهو وبعض السومريون نقاتل هؤلاء الأفاعي هو يقودهم هناك في أرض بداية النزال وأنا زرعت نفسي هنا لأصل إلى رأسهم الكاهن وعِجله ذي الخوار.
مولاي الملك المقدس تركع أفكاري عندك أخاف أن يشعروا بشيء فيقتلونا.
اورنامو: وهل تظن أنني سأموت ؟
صمت سلمان قليلا ثم قال: ما عدتَ للحياة إلا لتبقى وليس ليذبحوك. فاترك ليَّ الأمر ففي رأسي خطة.
    عاد سلمان حيث مجلس الأمراء وقال: أيها الأمراء لقد عرفت أمراً خطيرا وهذا الرجل دلني على كنز دفين فيه مجموعة كبيرة من المناهضين لدولتنا وأرى أن ّ نُبقي عليه ونستفاد منه حتى نبيدهم جميعا فلا تقوم لهم قائمة.
كبير الأمراء: أجل إنهم يَغيرون على ثغورنا ويقتلونهم بالفؤوس ويحملون رؤوسهم في كل مكان.. لم نتمكن من معرفتهم كما أنهم كثيرون.
سلمان: أرى أن ّ آخذه و قوة ممن يسيرون خلفي و أغزوا  بهم أولئك المارقون .
كبير الأمراء: كلامك صائب والغفلة ستجعلهم يقعون بسرعة لكننا نحتاج القرار من مولانا الكاهن وبركات العجل المبجل.
سلمان: دعني أقابله وأطرح عليه الأمر والفكرة.
كبير الامراء: هيا معي سنلقاه في الحال.
تحرك الإثنان نحو هيكل المبجل كاهن الثعابين . كانت الثعابين بهيئتها العادية تلفح أنفاسا حارة وبانت ضخمة, كان سلمان يسير ورائحة الأنفاس كريهة فأصابه بعض الخوف وشعر بالغثيان. فتمالك نفسه وتذكر عصا القوة بيده حيث الثبات فتنفس و استعاد قلبه.
وقف سلمان وكبير الأمراء وسط قاعة كبيرة وعرش عظيم, لحظات وحضر الثعبان الأسود العجوز مزهوا بذاته كثعبان وهو ينظر بخبث إلى سلمان, فقفز ليجلس على العرش ..
وقال: أسمع عنك الكثير يا سلمان. هل تعرف شيئا ؟ إنكم من ثبتنا فالتجاهل والجهل يؤدي إلى التصدع والتفتت لكنك اخترت القوة الصحيحة ونحن نحتاج أمثالك بحق, اسلوبك مفيد وقد ابقيت عليك رغم أنك احيانا تميل إلى المس بنا ولكن لابأس .لم تكن منافقا فالنفاق عاطفة سيئة يعطي لزوجة وأنت لم تكن هكذا. فتكلم وسأسمعك.
تحدث سلمان بالخطة وبطلبه أخذ كل من يوافق أن يرافقه من الناس أو من الثعابين للتنفيذ ومعهم السجين اورنامو فهو من سيكون الدليل.
وافق الكاهن وبارك لسلمان.
خرج سلمان من عنده وعزمه على الخروج والملك اورنامو نحو عالِم التاريخ واكمال قوة السومريين والعودة بهم كقوة واحدة وهدم الهيكل والكاهن على حين غفلة منهم.
مغناطيس الحلقة 25
ألمآل العظيم
كان سلمان يستعد للتحرك نحو الهدف حيث المارقين عن دولة القدرة والسطوة وتحت يده كان اورنامو وهو مقيد بالحبال خوف الهرب منهم, هكذا خطط سلمان لعلمه بأن الكثير من الثعابين غير راضية عنه فهو من بني الإنسان وقد يطغي عليه صنفه في أية لحظة, فكان حذرا منهم .
طلب ممن تحت امرته وكانوا جميعا من بني آدم الذين نبذوا حكم الأفاعي لكنهم تحملوا البقاء حيث الأرض التي أبوا مفارقتها فأختاروا أن يأتمروا بسلمان فهو ملك الكلام ويحق لهم أن يثقوا به.
لكن كان بينهم من الافاعي كعيون تلمع بعدم الثقة ببني الإنسان.
خطب بهم سلمان: اسمعوني جيدا. حدثٌ كبير ينتظرنا وعلينا التحرك بقوة وبسرعة وبدون أي خطأ.
الرجال: نحن رهن أمرك .
سلمان: أريد منكم أن تتجهزوا وعوائلكم باقل ما يمكن حمله سنتحرك كقافلة وكأننا هاربين من هنا كما عليكم بحمل اسلحتكم. لكم نهار هذا اليوم وعند دخول الليل سنتحرك وبلا إبطاء.. ومن يتأخر سيخسر عظمة العمل الذي سنقوم به .
بعض الرجال بانت عليه الدهشةوالاستغراب وتركوا سلمان وهم يتهامسون بمعنى ما قال لكن مغادرته البلدة معناها أنهم سيكونون أيضا بلا غطاء وقد تقتلهم الأفاعي بأية حجة, فقرروا تصديقه والسير خلفه وكما قال شاب منهم "لكل حادث حديث" كما أن الرجل المسن الذي ساعده سلمان كان قد فهم الأمر فهرع نحو بيته ليتجهز للرحيل معه.
وحلّ المساء واجتمع القوم وكان من بينهم عيون الثعابين .
نظر سلمان إلى الجميع وابتسم و هو ينظر إلى ثعبان بينهم وقال: ان النصر حليفنا بالتأكيد.
تحركت قافلة سلمان ومعهم الملك اورنامو نحو البلدة المجاورة حيث مجاميع السومريين تقوى وتزداد يوما بعد يوم... ورؤوس الأفاعي تقطع بالفؤوس بلا هوادة .
كان سلمان في المقدمة كملك اسطوري والسماء تكتظ بالنجوم المتراصة ولمعانها الذي جعل بصره نحوها وكأنه يسمعها تتحدث ببطولات مدفونة لا يراها غيرها ,كما كان يسمع العشب والشجر اليابس يئن من الظمأ رغم أن الفصل ربيع لكن الأرض كانت كجسد ميت صلب وقاس .
كان سلمان يحدث نفسه: الحب ملح الأرض به يسعد الإنسان لكن العطش يمحو كل شيء ويقتل الحياة.
سمع سلمان هاتفا يدعوه : أيها الهائم في حبي قادك إلي عطشي إني أمك الأرض فأسقني من قلبك الشجاع حتى يبتل كل جسدي فأكون لك مرضعة من جديد.
صرخ سلمان باكيا: لك أيتها العظيمة جئنا.. قلبي تحرر والكل خلفي روحي تجري فيكِ, هيا أيتها الأم حرري صدرك نحن أبناؤك جئناك عطاشى... فامنحينا بركاتك... نرضع من ثدييك معنى الحياة فننسى الموت.
مغناطيس - الحلقة 26
محراث النجوم
  وصلت قافلة سلمان على مشارف البلدة وكانت العتمة غطاءهم . فأعطى أمره للرجال بأن يستقروا في المكان حتى النهار لتكون لهم خطة الدخول بلا خسائر فالبلدة بيد الثعابين كما أن عيون المارقين و فؤوسهم كثيرة فيجب الحذر من كلاهما.
كان اورنامو بقربه ومازالت يداه مقيدتين.
سلمان: سأرخي قيودك قليلا أيها الملك.
اورنامو: لابأس إني لا أشعر بالضيق أو الألم على الإطلاق.. فلا تقلق.
استند سلمان إلى شجرة يابسة بقربه وتذكر شجرته والقبر.. أطرق رأسه بحزن و أغمض عينيه وقال: لا أعلم بأخبار ها وإن كنت سأراها مجددا.
اورنامو: حب في قلبك؟ صعب على من هم مثلك أن يعشقوا فقضيتهم تصبح مزدوجة فتكون الأرض والحبيبة همًا واحدا. فما تقوم به سيكون حريتها وحياتها يا سلمان. نظر سلمان إليه بحزن وقال: أجل لقد خرجتُ لأكون كأبي صلبا لا يرضى بالقبح والظلم. خرجت من قبري ودفنت فيه أول مقتول شهدت موته.. كما هو خروجي لأجلها كي لا تبقى حبيسة السرداب وبلا حياة.
ترك سلمان رأسه ليكون على الأرض ونام, واورنامو ينظر إليه وكأنه تمثال.. ولم يتحرك مادام سلمان غارق في نومه.
ساعة انقضت واستيقظ سلمان ينظر من حوله مندهشا.
اورنامو: ما بك يا سلمان؟
سلمان: حلمت بأنني كنت أعمل في الأرض وأزرع وأسقي فسقط وابل من النجوم على المكان ونجم كبير استقر على ظهري ولم أستطع إزاحته, شعرت بالعطش فزحفت نحو النهر.. وشربت منه فأصبحت قويا.
وقفت والنجم  يسطع على ظهري فأمسكت بالمحراث وصرت أحرث الأرض بقوة والنور ينتشر معي  في كل مكان .
اورنامو: يبدو أنك ستكون رفيقي في الخلود.
لم يفهم سلمان كلامه فابتسم وقال: وهل أنا من الملوك العظماء أصحاب الشرائع والقوانين كي أكون خالدا؟  إنما أنا فلاح بسيط .
اورنامو: الخلود الجليل ليس للملوك بل للإنسان الكامل.
مغناطيس - الحلقة 27
مسبحة الرؤوس
يقوم سلمان ويبحث عن الثعابين في قافلته ويجتمع بهم فيقول:
أريد منكم الدخول خلسة والوصول إلى الأمير الكبير هنا وإعلامه بقدومنا وخطتنا للوصول إلى موقع العدو وعدم التسرع في الهجوم عليه حتى التمكن الكامل من تدميره فخطتي كانت بأننا هاربون من هناك لننظم إليهم والسجين معي دليلي اليهم فليتركونا نسير وكأنهم غافلين عنا. وارجعوا إلي بالجواب بسرعة فالوقت مهم لإنهاء الامر. هيا انطلقوا.
عاد سلمان ليكون قرب اورنامو .
قال له الأخير: هل تعرف مكانهم؟
سلمان: نعم أعلم.
اورنامو: الخطورة تفرض نفسها في كل الخطط .
سلمان: لا سبيل إلا بالمخاطرة أيها الملك, لم يعد هناك مجال للتريث يجب استرداد هذه البلدة منهم قبل أن يتمكنوا من الثالثة, المقاتلون هنا قلة والأسرى من الشعب بأيدي الثعابين كثيرون ولابد من التحرك بسرعة فقوتهم تزداد بسفك الدماء.
ساد الصمت إلا من همس يأتي من المرافقين لسلمان حيث ينتشرون حوله وهو يتكئ على تلك الشجرة ينظر إليهم وسط الظلمة وبعض من ضوء قمر لم يكتمل.
جاء أحدهم باتجاهه وألقى التحية ثم قال: كيف حالك ايها الأمير ؟
نهض سلمان محاولا معرفة المتكلم فكان الرجل الشيخ الذي استعان به سابقا فرد عليه مصافحا: أهلا بك يا عم.. جئت في وقتك فإني أحتاجك في أمر مهم جدا.
الشيخ: في خدمتك أيها الامير.
سلمان: هل تعرف ممن يرافقوننا من يكون عونا لنا في الحرب ضد الثعابين.
الشيخ: ولم تظنهم ساروا خلفك واستمعوا لكلامك إلا لعلمهم أنك ابن هذه الأرض.. فأطمئن.
سلمان: الأمر خطير يا عم.
الشيخ: نحن في خطر منذ استباحتهم أرضنا يا ولدي, سأجعل دائرة الصلة من شباب أعرفهم ليخبروا الآخرين  ونحن جميعا تحت أمرك.
سلمان: يجب توخي الحذر والكتمان حتى أعطيكم الأمر.
عاد الشيخ بين الجموع ليقوم بمهمته فكان يتحرك بخفة وقوة فالألم مما حدث و دم ولده الذي تاه معهم يغريه أكثر بقتالهم.
ومرَّ الوقت سريعا ليكون الرجال الثعابين أمامه وقد رجعوا له بالأوامر من كبيرهم في البلدة فقال أحدهم: أيها الأمير سأسعدك بالأخبار لقد وجدنا احتفالا عظيما تم تزيين الأرض بالدم والأشجار بالجثث المعلقة على الأغصان كما تم عمل مسبحة رائعة من الرؤوس المقطوعة لنتبارك بالتسبيح بها والتمتمة بالدعوات لرضا الرب.
سلمان وقد أصابه الجزع: ماذا تقصد؟
الثعبان: كانوا قد أمسكوا بالكثيرين ممن يعادوننا حتى وان لم يحملوا السلاح وجعلوا السيوف والسكاكين تفعل بهم ما تشاء وسط الزغاريد و أبواق الفرح ..آآه  أيها الأمير.. لو ترى جمال المكان مملوء بالعنفوان والقوة .
سلمان: لابد أن يكون لي حظا بالذهاب إلى المحفل والتسبيح بهذه المسبحة العظيمة. فاخبرني ماذا قال الأمير عن تحركنا؟
الثعبان: لقد وافق و أعطى الأوامر للجميع بالتغاضي عنكم وطلب منك الإشارة كي يلتحقوا بنا و انهاء الأمر.
سلمان: لنبدأ الآن بالتحرك فالوقت علينا ويجب التغلب عليه.
اقترب منه الشيخ وأخبره بأن الأمر تم كما يريد وبانتظار إشارة منه.
سلمان: أنتم تعرفون الثعابين من بيننا فاجعل بعض الرجال يقومون بمهمة قتلهم ودفنهم بلا أثر عندما نصل الاحراش. وبعدها سنجد مأوى للنساء والأطفال ليكونوا بأمان و بعيدون عن القتال.
كان سلمان يسير في المقدمة مجتازا الحقول وبقربه اورنامو ومن خلفه الكثير من تابعيه وبعض الثعابين.وتم قتل الثعابين المرافقين له ودفنهم بلا اثر.ومن بعض القرى المتناثرة على الطريق كان المأوى لمن سيتخلف من نساء واطفال.
هكذا اكتملت قوة سلمان وجيشه, فنظر إليهم بود وقال: اعلموا يا إخوتي أنكم ذرات من تراب الأرض المقدسة وبكم النصر, علمت بأنهم قتلوا اليوم الكثير من أهلنا وهم يسبحون برؤوسهم, نحن لانبحث عن الثأر بل نبحث عن حرية أرضنا و أهلنا فلا تتركونهم يقتلونكم بسهولة, سنصل حيث قوة أخرى لنضع خطة الهجوم فتوكلوا على الله ونحن اعلم به منهم لانهم ثعابين ونحن من بني ادم ومنا الانبياء ومنا المصلحون.
مغناطيس - الحلقة 28
دفتر ليوم قتالي.
كان المسير لسلمان وجنده ماضيا بثقة حتى لاحت جبال متراصة للبصر.
قال سلمان: عن قريب يا اخوتي ستتحرك طلائعنا نحو النصر ولن يقف أمامنا موت. عليكم فقط أن تصدقوا أن ّ من يسقط منا دون خوف منهم سيحيا من جديد .
أجابه شاب بقربه: أيها السيد كلنا نتحرك بقلبك أنت ولم نشعر بخوف أو تعب حتى صرت أشك بأنك من البشر قد تكون ملاكا مرسلا لنتبعه فلا وجود لقائد بيننا.
سلمان: لا أنت مخطئ إنما أنا منكم لكنني بكيت يوما بكاءا مريرا حين شاهدت مقتلك على أيديهم هناك حيث الحقل ألا تذكرني؟ أنا من دفنتك تحت الشجرة .
ابتسم الشاب وقال: إنك لم تعد تشبه نفسك.
سلمان: لا أيها القوي إنما صرت أشبه أبي. فقد استنهض ذاته فيَّ.
وصلوا حيث نقطة التعرف وأطلق سلمان صوت النسر وكانت علامة الوصول وماهي إلا ساعة حتى اجتمع الكل وكان يقف العالِم واورنمو وسلمان بينهم.
استند سلمان إلى صخرة وهو ينظر حيث النجوم و أمسك رأسه وبدا مهموما.
فسأله الشاب: أي هم يثقل عليك ؟
سلمان: إنما تركت أمانة عند صديق ويعزّ علي أني لم أسال عنها كل هذا الزمن وربما أموت دون أن أجهر لها بأمر ما في نفسي.
الشاب: قلت أن من فقد الخوف لن يموت !
سلمان: أجل لن يموت ولكن قد يحيا في زمن آخر حين يُستنهض كما اورنامو.
الشاب: فهمت ...لدي دفتر صغير إن أردت أن تكتب لها شيء.. ربما ترتاح.
سلمان: أجل ينفع سأحاول أن أدون يومي ففيه كل تاريخي.
مغناطيس - الحلقة 29
فولاذ الحرية لا يصدأ.
سلمان بيده دفتره يكتب به جملته الأولى
" أيها الموت العزيز أنت لا تقتل بل تبدل فقد تزيدني شيئا كان ينقصني، إنك رائع حقا تشعرني بالبهجة"
ابتعد الليل عن منتصفه وأُعطي الأمر بتجمع المقاتلين .
قال اورنامو: حروبنا مختلفة عما هي الآن .
سلمان: أجل أيها الملك الجليل تختلف كثيرا وحتى هذه التي سنخوضها الآن ايضا مختلفة, لكن معنا الكثير ممن خبروا الحروب بكل اشكالها .
وأستطرد سلمان كلامه لمجموعة اختارها لتقود المجموعات: لست بأعلى منكم منزلة أو علما فلننصح بعضنا ولنقدم أفضل ما يمكن و بيدنا المباغتة وعلينا بالسرعة وقوة الضربة ولكن لابد من توجيهها لأُمرائهم أولا كي نتمكن من بث الفوضى وضعف القرار بينهم ،لقد كنت بينهم وعملت معهم ورأيت أهمية ذلك كما رأيت حبهم لتولي المناصب. ما رأيكم؟
أحد الرجال: نحتاج معرفة مواقع تواجدهم بدقة وأن يكون مع كل مجموعة من يستدل عليهم.
سلمان: نعم, كان معنا بعض الثعابين تخلصنا منهم بعد أن أمنوا لنا طريق وصولنا إليكم .
اورنامو: لابد من بدائل تجيد التخفي لمعرفتهم عن كثب ، تحتاجون لتأجيل خطتكم .
سلمان: إنهم يعرفونني سآخذ معي العدد المطلوب ونجازف بالتحرك هناك.
في الصباح سنتحرك وأشار إلى عدد من الرجال ليكونوا معه.
أمسك سلمان بدفتره وأخذ يكتب: "حبيبتي الموت طبل يدق بعدد الثواني ودورته لا تمل حتى تتلاشى النجوم نجمة نجمة, وتهيم الأرواح في الفضاء, انتظريني حينها سأجدك هناك لنسعد معا. أريد أن أحارب لتتحرري من الخوف ومن أن تقبعي في السرداب.. انتِ كما الأرض مقدسة ويجب أن تعيشي بسلام...كلاكما أمانة برقبتي. فأعلمي أنك حبيبتي".
تحرك سلمان وجنوده نحو تنفيذ خطة التأشير على رؤوس الامراء الثعابين فدخلوا البلدة ضحىً وكان الثعابين منتشرون و يراقبون الجميع .
سأل سلمان أحدهم عن الأمير الأكبر وطلب منه إيصاله إليه.
ساعة واحدة وكان سلمان مع الأمير يحدثه عن رحلته وإن رجاله يحيطون كرصد بمنطقة تواجد اعداءه ويجب أن توضع خطة متفق عليها بين امراء البلدة للهجوم عليهم.
أجابه الأمير: وكم هو عددهم ,يبدون كثرة فهجوماتهم كثيرة وبلا توقعات,  كما أنهم يستخدمون الفؤوس.. حسنا أنا معك سيكون اجتماعنا بعد ساعة من الان .
مغناطيس - الحلقة 30
لقاء بهيج
سلمان وبعض من رفاقه بين الثعابين في مراوغة محارب فطن لعدوه في خطة لقتله بكمائن خارج البلدة والالتفاف لقطع رأس كبيرهم الكاهن العجوز و تحطيم عجلهم الذهبي ذي الخوار.
سلمان يقف مرتفعا عن الجميع ليخطب بهم: أيها الرجال الاقوياء بروح الثعابين جاءت نهاية عدوكم, ستنالون منهم بضربة واحدة وتسيطرون بسرعة على البلدة الثالثة ويكمل البنيان للدولة ومنها منار الوصول إلى كل مكان. أتينا إلى هنا  كي نطلعكم على ما آلت إليه عيوننا عنهم, أماكنهم, عددهم, عدتهم, كل ما يهواه النصر السريع وبلا خسائر.
قال أحد الأمراء : لابد أن نحصل على موافقة الكاهن للتحرك وتنفيذ الخطة.
سلمان مبتهجا: وأنا أريد لقاءه ليباركني في نيل درجة أعلى بنصرنا في الحرب ولن ارتفع عنكم طبعا فأنتم الثعابين. عندي خطة رائعة فعلمي بالمكان وهؤلاء الرجال ممن معي اتركهم بينهم ليزعزعوا صفوفهم عند احتدام المعركة. هل نذهب الآن إلى
الأمير: الأن ؟ ههههههههههههه.. لا.. فعمله الأن وطأة العرائس المنذورات للزواج. فهو يأتيهن أولا ومن ورائه الزوج الموعود.. ههههههههه.
شعر سلمان بالغثيان وحاول أن يتمالك نفسه وغضبه.. فقال: إذن سنذهب لنرتاح وأبلغني متى سيكون اللقاء .
أدرك نفسه في فسحة لوحده وتقيأ وانهارت قوته و أغمض عينيه لينام.
مرت الساعات ثقيلة على سلمان ورفاقه حتى حلَّ المساء فقدم إليه أحد الثعابين ليخبره أن اللقاء سيكون الآن .
قام سلمان من مجلسه ورفاقه وتحركوا نحو القصر حيث الأمراء مجتمعون والكاهن بانتظاره.
على باب القصر أوقفه ثعبان ضخم منتظرا الأذن بدخوله ولوحده.
هناك في الداخل الكاهن مستبشر يقول: سأحبه كما أحب نفسي وليس برفع درجته في الحرب.. يال سعدنا.. سأجعله ينسى مسقط رأسه وثدي امه ووجه أبيه ويضاجع ما يرغب من النساء وأنفخ فيه من روحي ليكون كولدي .
اغتاظ الأمراء من كلامه فقال أحدهم: مولاي الكاهن ما تقوله كثير.
الكاهن: هههههههه أيها الاغبياء إنما هو كلام اخترته لأغويه فقط سنقتله ورفاقه بعد اتمام الأمر لنا بل وحتى لن نبقي على أحد من جنسهم إلا النساء .
هيا أيها الحاجب أدخل البطل سلمان الينا الأن.
وفُتح الباب ودخل سلمان مبتهجا برؤية الكاهن وهو ينحني له احتراما وتحية.
الكاهن: أهلا بك أيها البطل تعال بقربي وارتدي ردائي و أسمع مني كل ما تحب أن تسمعه فلك كل ما تريد وزيادة كبيرة. أخبرني بخطتك كي أمعن التفكير بها.
وبدأ سلمان يشرح لهم خطة الهجوم التي تقنعهم بانهم المنتصرون في حين أنها ستوقعهم في قبضة المنتظرين لقنصهم, لقد تعرف رفاقه على الأمراء جميعا وكل منهم سيَقتل من يكون في دائرة قنصه مباشرة ليغيب عن جماعته المرشد .
وحصل سلمان على المباركة ووعودا عظيمة وخرج مبتهجا من هناك متفقا مع القادة على انتظارهم في ساعة الصفر في اليوم التالي عند مغيب الشمس.
مغناطيس - الحلقة 31
الحضن الدافئ
سلمان في زاويته مع اصحابه وهو يقول: غدا سيتحركون وأريد كل واحد منكم مع أمير لتقودوهم حيث بوابة الجبل, وحين الوصول إلى وقت المواجهة اغتنموا فرصة القضاء على الأمراء بذكاء وتلاشوا بعدها من بينهم لتعودوا الينا.
أما أنا فسأعود بحجة انتظارهم مع القوة التي تركتها خلفي .
بانت عيون الفجر لينهض سلمان متوجها نحو كبير الأمراء يطلعه على رحلة عودته وبتركه رفاقه يتوزعون كما يرى الأمير  على فرق الثعابين برفقة الأمراء .
سار سلمان نحو طريقه حيث الجبل وقلبه يتحدث: سأمضي كما أردت ولأتحمل الألم والأسى وأتنهد, و افتح أنت يا سلمان بوابة الجبل ليأكلهم فيعودون إلى الظلمات التي أتوا منها. ليتك تعيش لنعود بقرب الحبيبة.
فلتعد سالما تسير على قدميك وتحملني في صدرك أرجوك لا تدعهم يقتلوك.
كان قلب سلمان يتحدث على طول الطريق, متوسلا به ليعيش. أطلق سلمان ضحكته وقال: أيها الطريق السالك جدا لم يسبقني إليك أحد منذ زمن طويل.. فلتسعد بي ستعود اشجارك للنمو من جديد وسيصفو نهر يجاورك.. وأنا ابحث عن حياة بلون آخر بعيدا عن قلبي.. أراني أسند رأسي في باطن الثرى تحت شجرة عالية.
انتهى الطريق بسلمان إلى بوابة الجبل حيث أطلق صوتا يشير إلى قدومه. فكان مع رفاقه والشمس تزول عن كبد السماء .
واتفق الجميع على خطة الهجوم وبدأوا بشحذ الفؤوس فلا سبيل إلا بقطع رؤوس الأفاعي.
انهى سلمان حديثه بأن تكون له عودة لقطع رأس الكاهن فهو رأسهم جميعا.. وتطهير البلدة من الافاعي .
وأكمل: وان قٌتلت فليكن الأمر لهذا الشاب الذي يلازمني فهو من سيكمل من بعدي.
أجابه اورنامو: لا يا سلمان ستكمل ما تريد وبعدها سيكون لك أمر ما.
شعر بوحشة فتركهم ليكون وحده ليرتاح فالأمر خطير, والشاب يجلس بعيدا عنه لكن نظرته ثابتة نحوه.
أخرج دفتر يومياته وراح يكتب:
لو تعلمين حبيبتي ما أقاسي من تعب لكنني أرفع روحي إلى الله لأتضرع بأن يبسط علي حمايته ويسدد خطاي, حبيبتي أريد أن أصنع لك سلاح الحرية لتسعدي.. إنه يوم حب مشهود يجعلني أقترب منك وتتلاشى المسافات فيما بيننا , ليتني أميل عليك برداء أبيض جميل احتضنك به وأترك قلادة جميلة تنساب على صدرك.
آآآه أسعفني الله بأحلام وردية ووجهك أمامي مبتسم ,أشعر بالهدوء الان سأنام قليلا.
وصاح على الشاب وهو يضحك اتركني ساعة واحدة فقط لأنام وأيقظني. فأشار إليه الشاب بالقبول.
مغناطيس - الحلقة الأخيرة
عرس الأرض
امتدت يدٌ ما إلى سلمان توقظه، وصوت يهمس له: هيا أيها العريس انهض فعظيمة هي مسرتك وحلو طعمها كالعسل في فمك, أيها الليث الغالي إني انتظرك تهل عليَّ بحلتك وهيبتك لقد تزينت ولبست حلة عرسي وذراعيَّ ممتدة تشتهيك لقد أسرتني فأصبحت متلهفة لطلتك البهية.. تعال اليَّ ولتبتهج معي بوصل حياة ابدية.
كانت عينا سلمان مفتوحتان وقلبه مسرعةٌ دقاته لقد علم أنه صوت الأرض وهي تناديه, لقد اقترب اللقاء وحظنها متلهف لضمه .
تنفس بعمق وقال: أيها القلب أنت في حلٍّ مني لقد اختارتني عاشقة كريمة لا يمكن خسارتها, فهل ستكون معي أم تموت بدوني؟
أجاب قلبه: بل معك يا شجاع وما نفع الحب بدونك ..
نهض سلمان متأهبا ينظر حوله, لم يزل الشاب يجلس في مكانه ينظر إلى سلمان بنظرته الثابتة وهو مبتسم بحزن.
جاءت الإشارة مع قدوم الليل بقدوم افواج الثعابين, أخذ الكل مكانه وسلمان يتفقدهم مطمئن ويقول: ما أجمل بستان ستزرعونها غدا.
وصلت قوات الثعابين كما خطط سلمان كلٌّ إلى كمينهِ, وقُتل الأمراء فكأنما كانت الأرض تنشق عن مردّةٍ جبارين يحيطون بالثعابين من كل مكان يبيدونهم وجاء حكم القدر بسقي ماء الحياة للرجال فكانوا يعودون للحياة رغم الجروح المسمومة القاتلة .
كان صوت سلمان عالي: كل البشر يحصدون أعمارهم في كل يوم يمر ويقتربون من الهوة السفلى إلا أنتم تجترحون المعجزات في خلود الذكر وهروب شدة الهول هيا نمسح الشر كله عن أرضنا.
كان الليل يطوي ستائره ليرحل ويفرُّ، وجنود الشمس ينتشرون عبر الحقول, وجثث الثعابين متراكمة ومبعثرة في كل مكان, فأشار سلمان إلى رفاقه أن ّ الوقت قد حان ليدخلوا البلدة وتطهيرها ممن فيها من الثعابين وتابعيهم.
فدخلوها ضحىً وسط دهشة الكل بين فرحٍ ومرتجف, وسلمان يتجه نحو قصر الكاهن, ودارت ملحمة قتال عظيمة. انهار صرح طاغوت العِجل الذهبي واحترقت أركان عرش الكاهن العجوز وكُسرت السجون.. ثم حلَّ السكون.
بحثوا عن سلمان, كان قد أُصيب بجرح عميق, حملوه فأشار اليهم أن يأخذوه حيث النهر بالقرب من شجرة عجوز كثيفة الأغصان حيث كان, فكان له ما أراد.
سلمان يتكئ على شجرته وهو ممسك بدفتر يومياته ويكتب جملة اخيرة: "حبيبتي لقد أصبحت حرة. "
سقط القلم من يده وانطلقت روحه إلى اليوم الذي فيه سيعود. كان يجلس بقربه الملك اورنامو, والعالِم ممسك بدفتر يومياته المدمي ولم يبق منه إلا جملته الاخيرة "حبيبتي اصبحت حرة"
دفنوا سلمان تحت الشجرة بقرب قبر لشاب كان هناك .
قال اورنامو: اكملوا عمله وانهضوا بقوانيني ستجدون قوتي وقوة شعبي كله فيكم .
سأل عالم التأريخ عن المرأة المقصودة فلم يعرفها أحد.
يرقد سلمان بهدوء هناك تحت شجرته, وتلك الحبيبة هناك تنتظر, وصلت الأخبار عن نهاية دولة الثعابين ودخول الرجال في كل مكان من البلدات كاسحين كل أثر لفساد وزغاريد الفرح تعم الأرض, وتعالت جباه الرجال واستند الشيوخ الى جدران تسند ظهورهم المتعبة.
وسلمان كان مع الملك هناك حيث الخلود يرى مالم يره انسان من زمنه وتحرس الشمس بوابة غيابه.. في حضن الأرض حيث لا غروب ...
.
انتهت .

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية