قراءة نقدية
في نص الأديب الفلسطيني صقر حبوب (قاص وناقد)
لين الأشعل/ تونس
اختصاص النظريات النحوية والألسنيّة
==============
**النص
توبةٌ
اِحتَرَفَتْ اِقتِناصَ الأَثرِياءِ، اِنفَضَّ وِعَاؤها حِينَمَا داهَمَها المَرَضُ، وحدهُ ثَدْيُها المَبْتُورُ طَفِقَ صَارِخاً!!!
من كَانَ مِنكُم بِلا خَطيئَةٍ، فَليَرْمِها بحجَرٍ.
======================
**التصدير:
يُروى في الحديث الشريف أنّ صحابية متزوجة وقعت في خطيئة الزنا فحاسبت نفسها وأحرق الذنب قلبها، فأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم طالبة:" أخطأت يا رسول الله فطهرني" ولما أعرض عنها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات عساها تتوب نطقت :"والله إني لحبلى من الخطيئة " فالتفت إليها ثمّ قال:"إما لا فاذهبي حتى تلدي..." إلى آخر الحديث.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقِم الحدّ مباشرة على المرأة بل رأف بها. وكذلك تعامل المسيح عليه السلام مع نفس التجربة بروح التسامح في قوله:" من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها أوّلا بحجرٍ" (يوحنا 8 الآية 11-2).
وقد استغلّ كاتب القصة التي بين أيدينا في تناصّ جميل موقف التسامح عند الرُّسل لكتابة نص متناسق، له أكثر من دلالة، أوصل القارئ إلى هذا الطرح:
-هل وُفّق التناصّ في إثارة الدّهشة في نطاق الإنزياح النصّي؟
======================
**المقدمة:
النصّ المعروض:"توبة" للقاص صقر حبوب، هو نص من جنس القصّة القصيرة جداّ استوفى كلَّ عناصر الق.ق.ج من:
-تكثيف الجمل.
-مهارة الكتابة السريعة "باقتناص"
العبارات و الكلمات المرمّزة...وهو ما نعبر عنه بالاختزال.
-مفارقة مؤدية الى قفلة غير منتظرة فهي حسب تعريف الفيلسوف مارك سيسبري:" المفارقة ال (Paradox)
هي خاتمة قد تبدو غير مقبولة، مستمدة من فرضيات قد تبدو مقبولة".
وسأتناول في قراءتي هذه عديد الخصائص الأخرى المتعلقة بكتابة الق.ق.ج التي أحذق استعمالها الكاتب وسأتطرق إليها في إبّانه.
**العنوان
توبة : كلمة واحدة وردت نكرة، مصدر من تاب يتوب توبة بما معناه
الرجوع إلى الله والندم على المعصية وتركها وعدم العودة إليها.
هو عنوان مستخرج من رحم النص
بقي أن نعرف هل استوفى معنى التوبة المألوف!؟
**الفكرة العامة:
عندما يصطدم عالمان: عالم الفقر وعالم الغنى، يحصل ما لا يُحمد عقباه! وهذه قصة امرأة فقيرة، جميلة، جذّابة أجبرها واقعها المرير على الوقوع في الخطيئة بل قُل الوقوع في براثن صناع الفسق من الأثرياء ملبية رغباتهم. وبعد أن كانوا يقتنصونها، غدت هي
التي تقتنص الأكثر ثراءً
حتى امتهنت التجارة بجسمها، تجارة درّت عليها بمالٍ وفير ولحقت
ركب الأثرياء وامتلأ "وعاؤها"(رصيدها/ وكذلك تلميح لجزء من جسمها). لكن! لما "اقتنصها المرض المفاجئ هل عادت الى الفقر أم تراها عادت إلى الله تائبة!؟ وما هو موقف المجتمع المتعصّب من خطيئة الزّنا
بالنسبة للمرأة؟
وما موقف الدين من ذلك؟ هذا النص يثير أكثر من سؤال...
======================
**البُنَى الحكائية:
1-السّرديّة
قصة "توبة" سردها الكاتب بحرفية متمكنة وشخصيا ما جلب انتباهي من الوهلة الأولى، هو اختياره للكلمتين التي فتح بها نصّه
أوّلهما فعل "احترفت" ثم كلمة "اقتناص"، والكاتب كذلك عرف كيف يقتنص هاتين الكلمتين اللتين وضعتا الحكاية في إطارها:
فعل "احترف":رباعي مجرد على وزن افتعل أي اتّخذ الشيء لنفسه كما هذه المرأة التي اتخذت لها حرفة و مارستها بصفة
مستمرة قصد الارتزاق لذا نراها تلين لمن يريدها مجاهرة أو بالأحرى لمن يدفع أكثر،
فهي أحذقت اقتناص الأثرياء وهي على أهبة أن تصطاد طريدتها، والكاتب أعطاها ضمنيا صفة صيادة ماهرة،
إذا الشخصية الرئيسية هي امرأة مومِس ركبت ركب الثراء اثر تجارة مُربحة(قديمة قدم الوجود، قال عنها نزار قباني بما معناه أن لا يحُقّ لممتهنة هذه التجارة أن تدّعي الفقر، (في بيت ممنوع من النشر).
أما الشخصيات الثانوية فهم الأثرياء الذين يدفعون ثمنا باهضا في متعة جنسية غير مشروعة. وماخفي كان أعظما، اذ يوجد عادة الوسطاء بين المرأة والأثرياء ، وهؤلاء يستقطبون أيضا القاصرات الجميلات اللاتي أخذ منهن الإملاق، أو ربما في بعض الأوساط الاجتماعية يبيع الوالد ابنته لذلكم المحترفين والكل يتمعّش من هذه الشبكات المختصة بالدعارة.
طالع القصة ينبأ بدهاليز دعارة لا مخرج منها وعنوانها يعلن التوبة!
المعادلة صعبة! ولعلّ هذه أول مفارقة نستشفها في القصة، تلتها مفارقة الفقر والغنى، ومفارقة الخطيئة و الطّهر فكيف سيكون الخروج من ظلمة العهر إلى نور التوبة؟
تلك المرأة خرجت من فقرها تبرّجت وتاهت بمفاتن جمالها لكن!
حلّ المرض وبُتر عضو من جسمها: الثدي وهو رمز من رموز الأنوثة فإن راح، راح جزء كبير من الجمال.
أرى أن فعل بتر هو كناية عن العقاب(في الدين مرتكب السرقة يقام عليه حد البتر)و كأن البتر هنا عقاب لمرتكبة الخطيئة.
أما عن نتيجة البتر في هذا النص
فهو انفضاض الوعاء، لقد تكسر وعاء المرأة. انفضَّ فأنْفَضَ زاده، وما الوعاء هنا الا كناية لشيئين أو لزادين:
-زاد طبيعي:جمال المرأة وهو زادٌ لا يدوم بمرور الوقت، يزول مع حلول سن اليأس.
-وزادها المالي الذي زال بزوال جمالها و بالتوقف عن بيعه بثمن.
هذه المرأة أجبرت على التوقف عن الخطيئة وما بقي أمامها الا التوبة فلا يمكننا أن نعتبرها توبة بالمعنى المألوف.
في كل الأزمنة، تُفرِز المجتمعات مجموعة متشدّدة متعصبة تلوم، تنبذ من يخطئ، أفراد يطلقون أحكاما مسبقة و يطالبون بإقامة الحدّ بشدة وكأنهم هم الممنوعون من الخطأ. وهكذا يتدرج القاصّ بحكائية سلسة وسريعة الى التطرق للفكرة الأمّ:
"لا يوجد بشر معصوم من الخطأ"
بعد أفعال الحركةالمصرّفة في الماضي، زمن السرد الرئيسي، وبعد استعمال الاسترداد في(انفضّ وعاؤها حينما داهمها المرض) مكسرا الزمن الخطي، لجأ الكاتب الى المركّب الآتي لإثارة الدهشة: "طفق صارخا" طفق من أفعال الشروع؛ فمن شرع في الصراخ؟ قد يتبادر إلى أذهاننا أنّ القاص قام بتشخيص
العضو(الثدي)فشرع يصيح: كفى لوما ومطالبة بمعاقبتها!
ربما كان الصارخ جنينها أثناء الاجهاض، وهو نوع من البتر أيضا،
مطالبا بكف شتم أمه فهي ليست الوحيدة من أخطأت.
وكأنه عيسى بن مريم عليه السلام يدافع على شرف أمّه البتول لذا أتانا الكاتب بصرخة في شكل قفلة مدهشة" من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"، جملة ناصص بها
قولة المسيح عليه السلام:(من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها أوّلا بحجر).
والمقصود: كلّ البشر لديهم خطايا ومن طبيعة الانسان الوقوع في الذنب لذا لا يقدر أي أحدٌ أن يحكمَ على خطأ الآخرين.
وهكذا جعلنا الكاتب نتخيل الحلقة المفقودة في نسيج الحكي وهو الحدث المهم والذي تولى العنوان
ذكره: حدث طلب التوبة مع حدث آخر مهم جدا: موقف المجتمع المتشدد الذي يطالب بإقامة الحدّ
على صاحبة الخطيئة دون نقاش ولا تبرير لصنيع الفاعلة. وهذه من براعات القاص في ترك باب التأويل مفتوحا.
2-التناصّ:
يُروى أنه في عهد المسيح وقعت امرأة في خطيئة الزنا ووقعت تحت قبضة جماعة متعصبة أتوا بها الى النبي عيسى عليه السلام ليروا حكمه(وهو الرجم في الكتاب المقدس) لكنّه أمرهم بقولته:
"من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها أولا بحجر "
النتيجة : لم يرجمها أحد فكل رجلٍ طأطأ رأسه جارّا خطيئته، وانسحب من حضرة اليسوع الذي وجد نفسه وحيدا مع المرأة، سألها:"هل أدانكِ أحدُهم؟"
فأجابت بالنفي، فردّ عليها:"أنا لا أدينكِ..اذهبي بسلام ولا تخطئي أبدا."
عيسى عليه السلام عوض أن يعاقبها أعطاها فرصة لتدارك أمرها،
هو لا يقرّ الزنا بل هو أرشد المرأة إلى طريق التوبة بالنصيحة و بالتسامح وبالعفو.
فلا يوجد أحد معصوم من الخطأ ، فكرة فجّرت دهشة المتلقي في قفلة رائعة.
وقد حملتنا هذه القفلة الى التفكير في حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : "كلّ بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون."
صدق رسول الله.
3-التلقي:
لقد طرحت أعلاه هذا السؤال:
(طالع القصة ينبأ بدهاليز دعارة لا مخرج منها وعنوان القصة يعلن التوبة. فكيف يكون الخلاص؟)
-إنّ الإجابة على هذا الطرح موجود في موقفَي النبيين محمد صلى الله عليه وسلم والمسيح عليه السلام عندما رأف كلاهما بالمرأة الزانية التي لجأت إليه فأعطاها فرصة لترك الرذيلة وطلب التوبة .
وقفلة قصتنا هذه أرادت ايصال نفس الفكرة للمتلقي بحيث لو كان في موقف المجتمع مبدأ التسامح والعفو والإحاطة النفسية لهؤلاء الفتيات اللاتي يقعن في الخطيئة لكان بالامكان ارجاعهنّ الى طريق التوبة والتّعفف.
بدلا عن قتلهنّ رجما.
فإن دلّ على شيء إنما يدلّ على أنّ الدين هو دين يسر لا عسر، أما المواقف المتشددة فتجلب أحيانا عكس النتيجة المرجُوّة. الدين صالح لكل زمان ومكان وباب الاجتهاد فيه مفتوح كما باب التوبة...
العلاّمة التونسي الدكتور صادق بلعيد أشار إلى هذه النقطة في كتابه
"القرآن والتشريع".
-لن أمرّ دون أن ألمّح إلى فكرة ثانوية انبثقت من النص، وبها أختم
قراءتي الإنطباعية :
الجمال الدائم هو جمال الروح أمّا جمال الجسم فهو زائل، فمن تشبث بجمال الجسم فالبؤس مصيره و من تمسّك بجمال وطُهر الروح نال السعادة في الدارين.
4-التقييم:
*ملاحظة حول العنوان
كانت أمام القاص إمكانية اعطاء عنوان(غفران) لنصه لأن الشخصية الرئيسية لم تتب بل طلب الصّارخ لها الغفران. بهذا العنوان كان بامكانه
ردّ النهايات على بداياتها. غير أن الكاتب أخذ حدثا مفقودا في النص، لكنّه موجود في تأويل المتلقي(وهو طلب التوبة)فكان موفقا أيضا .
*ملاحظة حول التنقيط:
-أقترح وضع نقطتين بعد كلمة (صارخا)
-من المفروض وضع المقولة موضع التناص بين ضفرين. لذا أقترح هذا التنقيط :
(وحده ثديها المبتور طفق صارخا:
-"من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها
بحجر !!! " )
-كما أرى أن وضع نقاط التّعجّب بعد الصّراخ يثير أكثر تعجّبَ المتلقّي.
وشكرا.

